تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 933

مساهمون:

ص٩٣٣
يكون بالعمل الصالح ، فإن الآخرة هي دار الجزاء . . . والجزاء من جنس العمل . فمن يعمل سوءا يجز به سوءا ومن يعمل خيرا يجز به خيرا . ولا يظلم ربك أحدا .

سبب النزول :

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم : عن السدى ، قال : التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى ، فقال اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ، ديننا قبل دينكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن على دين إبراهيم ، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : مثل ذلك . فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم ، ونبينا صلى اللّه عليه وسلم بعد نبيكم ، وديننا بعد دينكم ، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم ، فنحن خير منكم ، ونحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق . ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا ؛ فأنزل اللّه :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ . . .
الآية . وقال القرطبي : من أحسن ما قيل في سبب نزولها ، ما رواه الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . قال : قال اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان منا ، وقالت قريش : ليس نبعث فأنزل اللّه :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ . . .
الآية . وليس هناك ما يمنع نزول الآية للسببين ، فحكمهما عام : للمسلمين وأهل الكتاب والمشركين ومن في حكمهم من سائر الكافرين ، كما سيتضح في الكلام على المعنى . والمعنى : ليس الفوز بدخول الجنة والتقلب في نعيمها الذي وعده اللّه الصالحين ، حاصلا بأمانيكم - أيها المسلمون - ولا بأمانى أهل الكتاب ، فإن الأماني - وحدها - لا تحقق هذه الغاية العظيمة ، وإنما يحققها - مع الإيمان - العمل الصالح . أما العمل النافع وحده فلا يحققها ؛ لخلوه من قصد وجه اللّه تعالى ، وهذا يستلزم الإيمان . كما أن عدم البعث ليس بأمانى من أنكروا البعث ، فإنه حاصل ، وسيجزى بعده الناس على أعمالهم :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
. ( الزلزلة : 7 ، 8 ) ولذا قال اللّه بعده :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
. من يعمل عملا سيئا ، سواء أكان من كسب القلوب : كالكفر ، والحقد ، والحسد ، وسوء الظن بالمسلمين ، أم كان من كسب الجوارح : كالقتل ، والسرقة ، وأكل مال اليتيم ، والتطفيف في الكيل والميزان - يعاقبه اللّه عليه بما يسوءه ، ولا يجد له أحدا ينقذه منه ، من ولىّ يدافع عنه بالقول والشفاعة ، أو نصير ينصره بالقوة . . . فالكل مقهور للّه الواحد القهار . ولما نزلت هذه الآية ، كان لها أثر شديد في نفوس المؤمنين . يصوره ما أخرجه الترمذي وغيره عن أبي بكر رضى اللّه عنه - أنه قال للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بعد أن سمعها : « بأبى أنت وأمي يا رسول اللّه ! وأينا لم يعمل سوءا ، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه ! » 114