وقال بعضهم : كان التابوت إذا قابلت بنو إسرائيل العمالقة مشى التابوت بين السماء والأرض ، والصفوف والرايات خلفه ، فكانوا ظاهرين عليهم ، حتّى ظفرت العمالقة على التابوت فأخذوه فدفنوه في ملقى كناسة لهم ، وذلّت بنو إسرائيل . وألقى اللّه على رجال العمالقة وعلى نسائهم الناسور « 1 » ، فقال بعضهم : ما نرى هذا الذي أصابكم إلّا بما صنعتم بالتابوت ، فهل لكم أن تردّوه على بني إسرائيل ؟ فقالوا : لا نفعل ؛ لكنّا نحمله على بقرة ونحبس عجلها ، ثمّ نوجّهها إلى صفوف بني إسرائيل ، فإن أراد اللّه أن يرجع التابوت إلى بني إسرائيل رجعت البقرة إليهم وإلّا رجعت إلى عجلها . ففعلوا ، فنزل ملكان من السماء فأخذ أحدهما برأس البقرة وساقها الآخر ، حتّى دخلت صفوف بني إسرائيل ؛ فذلك قوله :
تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ :
كقول الرجل : وجاء فلان يحمل ، وليس يحمله هو ، وإنّما تحمله الدوابّ .
وقال بعضهم في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
هو نهر بين الأردن وفلسطين . وقال بعضهم : هو نهر أبي فطرس « 2 » .
وقال الحسن في قوله :
هَلْ عَسَيْتُمْ ، إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا :
عَسَيْتُمْ
أي :
ظننتم « 3 » ،
إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا : وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
قال اللّه :
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
قال : لم يقبلوا ذلك وكفروا إلّا قليلا منهم .
هامش
حاولت أن أردّ كلّ معنى إلى ما يناسبه من الآيات مع الاحتفاظ بما جاء كلّه في المخطوطات الثلاث .
( 1 ) في ق وع : « الناسم » ، وفي د : « الناسور » وهو الصحيح . وفي ق وع شرح لهذه الكلمة جاء فيه : « إسهال يصيب الرجل فينطلق بطنه » . ولكنّ ابن منظور لا يذكر هذا المعنى ويقول : إنّه العرق الغبر . والغبر هو الجرح الذي يندمل على فساد ، وينتقض ولا يكاد يبرأ .
( 2 ) في ق وع ود : « ابن فطرس » وهو خطأ ، صوابه « أبي فطرس » . ونهر أبي فطرس ، يقع قرب الرملة من أرض فلسطين ، انظر : معجم البلدان لياقوت ، ج 5 ص 315 - 316 .
( 3 ) كذا في ق وع دون د : « عسيتم ، أي : ظننتم » ولست مطمئنّا لهذا التأويل ، ولم أجده فيما بين يديّ من كتب التفسير واللغة . ولم أر له وجها ، اللهمّ إلّا أن يكون بمعنى ما يظنّ بهم ، لا بما يظنّون . قال أبو عبيدة في مجاز القران ج 1 ص 77 : « ( هل عسيتم : ) هل تعدون أن تفعلوا ذلك » . وقال الزمخشريّ في الكشّاف ج 1 ص 291 : « هل قاربتم ألّا تقاتلوا » ، أراد أن يقول : « هل الأمر كما أتوقّعه أنّكم لا تقاتلون . . . أدخل هل مستفهما عمّا هو متوقّع عنده ومظنون » . وانظر : ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، ج 2 ص 485 .