والطرقات ، فلا يجوز للمرأة أن تخرج سافرة عن وجهها ، ولا أن تبدي شيئا من زينتها .
فأما
قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لجرير بن عبد اللّه : « اصرف بصرك »
و
قوله لعلي بن أبي طالب : « لا تتبع النظرة . . . »
فمعناها النهي عن تعمد النظر إلى شيء من بدن المرأة لغير حاجة ، فإن تعمد النظر إليها حينئذ لا يخلو عن ريبة ، وقد أمرنا بالبعد عن مظانّ التهم والريبة .
وأما صرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وجه الفضل عن النظر إلى الخثعمية . فإنما كان ذلك لمخافة الفتنة ،
فقد أخرج الترمذي « 1 » وصححه : أنّ العباس بن عبد المطلب قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لويت عنق ابن عمك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة » .
فكان في ذلك دليل على جواز النظر عند أمن الفتنة ، ولو لم يفهم العباس أنّ النظر جائز ما قال مقالته ، ولو لم يكن ما فهمه صحيحا ما أقرّه عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
وأما قوله تعالى :
وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
فحكمه خاصّ بأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما أنّ لهن من الحرمة ما ليس لغيرهن من النساء ، فلا يقاس غيرهن عليهن في ذلك .
هذا وقد استثنت الشريعة حالات يباح فيها للأجنبي أن ينظر من بدن المرأة إلى ما تقضي الضرورة بالنظر إليه فللخاطب والشاهد والقاضي والعامل أن يرى الوجه ، حتى على رأي القائلين بأن بدن المرأة كله عورة ، وكذلك للطبيب أن يرى موضع العلاج ، وللشاهد بالزنى أن يرى ما يصحح له الشهادة .
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ
. والضرب : معناه السدل والإرخاء .
والخمر : جمع خمار ، وهو ما تغطي به المرأة رأسها ، مأخوذ من الخمر بمعنى الستر والتغطية .
والجيوب : جمع جيب . وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض النحر .
في هذا الأمر إرشاد من اللّه ، وتعليم للنساء كيف يسترن بعض مواضع الزينة الباطنة منهن ، أمرهن أن يرخين الخمر على جيوبهن ، ليسترن الصدور والنحور ، ولا يكنّ كنساء الجاهلية ، إذ كانت إحداهنّ تضع خمارها على رأسها ، ثم تلقي أطرافه وجوانبه من خلفها . وكانت تمشي بين الرجال هكذا ، يظهر منها نحرها وصدرها . وفي ذلك دليل على أن صدر المرأة ونحرها عورة . لا يجوز للأجنبي النظر إليهما منها .
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ
قد تبين مما تقدّم أنّه لا يجوز للمرأة أن تبدي من زينتها خلاف ما استثناه اللّه تعالى بقوله :
إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها
فحرام عليها أن تبدي معصمها أو ساقها أو جيدها أو شيئا من مواقع الزينة الباطنة منها .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ( 3 / 232 ) ، كتاب الحج ، باب ما جاء أنّ عرفة كلها موقف حديث رقم ( 885 ) .