تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
أما قوله سبحانه :
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ
إلخ فالمقصود منه استثناء البعولة ومن عطف عليهم من عموم من نهيت المرأة عن إبداء الزينة الباطنة له . أما البعولة وهم الأزواج ، ويلحق بهم من له حق التسرّي من السادة ، فالأمر فيهم ظاهر . وأما سائر من استثنى اللّه فللحاجة إلى مخالطتهم مع أمن الفتنة . استثنت الآية نوعين لأجل المصاهرة : آباء الأزواج وأبناء الأزواج ، وليس وراء هذين النوعين من المحارم بالمصاهرة أحد . واستثنت من المحارم بالنسب خمسة أنواع : هم آباء النساء ، وأبناؤهن وإخوتهن ، وأبناء إخوتهن وأبناء أخواتهن . ولم تذكر من المحارم الأعمام والأخوال ، كما أنها لم تذكر المحارم بالرضاع . والفقهاء مجمعون على أنّ حكم هؤلاء كحكم المذكورين في الآية . أما عدم ذكر الأعمام والأخوال فلعلّ السر فيه أنّ العمومة والخؤولة بمنزلة الأبوة ، فكان ذكر الآباء مغنيا عن ذكر الأعمام والأخوال ، وأما المحارم من الرضاع فعدم ذكرهم للاكتفاء ببيان السنة : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » « 1 » . والأنواع الباقية : هي النساء ، والمماليك ، والتابعون غير أولي الأربعة ، والأطفال . فأما النساء والمماليك فقد قال اللّه تعالى فيهم :
أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ
وللعلماء خلاف في المراد بكل نوع من هذين النوعين ، فذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالنساء ما يعمّ الحرائر والإماء ، وعليه يكون المراد بما ملكت أيمانهنّ خصوص العبيد ، لأنّ الإماء قد دخلن في النساء . وحينئذ يحل للمرأة أن تبدي زينتها الباطنة للنساء الحرائر والإماء ، ولمن تملكه من العبيد ، لأنّهم في ذلك ملحقون بذوي المحارم . وبهذا قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة وكثير من السلف وهو مذهب مالك ، وأحد قولي الشافعي . ويؤيده ما رواه أحمد وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي اللّه عنه أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أتى فاطمة رضي اللّه عنها بعبد قد وهبه لها ، وعلى فاطمة ثوب إذا قنّعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما تلقى قال : « إنّه ليس عليه بأس ، إنما هو أبوك وغلامك » « 2 » . وذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالنساء خصوص الحرائر ، لأنّ المراد بما ملكت أيمانهن خصوص الإماء ، وذلك لأنّ العبد فحل غير محرم ولا زوج ، والشهوة فيه متحققة ، والحاجة إلى الخلطة به قاصرة ، فكان هو والحر الأجنبي في التحريم سواء ،
هامش
( 1 ) رواه مسلم في الصحيح ( 2 / 1068 ) ، 17 - كتاب الرضاع ، 1 - باب ما يحرم من الرضاعة حديث رقم ( 1444 ) . ( 2 ) رواه أبو داود في السنن ( 4 / 30 ) ، كتاب اللباس ، باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته ، حديث رقم ( 4106 ) .
تفسير آيات الأحكام — صفحة 588 | الشيخ محمد علي السايس / ناجي إبراهيم سويدان