تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
وحرمة النكاح بينه وبين سيدته عارضة كحرمة أخت الزوجة ، وما زاد على الأربع ؛ والأمة المزوجة بالغير ، فدلّ ذلك على أنّ قوله تعالى :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ
لا يشمل العبيد ، وأنّه لبيان حكم الإماء لا غير ، فوجب أن يكون قوله تعالى :
أَوْ نِسائِهِنَّ
مقصورا على الحرائر ، لا يتناول الإماء ، وإلا كان قوله تعالى :
أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ
لغوا . وعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تبدي لعبدها من زينتها إلا ما يجوز أن تبديه للأجنبي ، ولا يحلّ له أن ينظر من سيدته إلا ما يحل له أن ينظر إليه من الأجنبية ، وبهذا قال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين ، وكذا ابن المسيّب ، فقد روي أنه رجع إليه وقال : لا تغرنّكم سورة النور فإنّها في الإناث لا في الذكور . وهو مذهب الحنفية وأحد قولي الشافعي ، ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم » « 1 » والعبد ليس بذي محرم فلا يجوز لها أن تسافر معه . وحينئذ لا يجوز لها أن تبدي له من زينتها ما تبديه لمحارمها . وأجاب أصحاب هذا القول عن حديث أنس السابق بأنّ العبد كان صغيرا إذ إنّ الغلام حقيقة في غير البالغ . هذا وللعلماء خلاف أيضا في المراد بالنساء مع ناحية أخرى هي ناحية الدين : فقال جماعة : إنّ المراد بهنّ عموم النساء بلا فرق بين المسلمات والكافرات ، وعلى هذا تكون الإضافة في قوله تعالى :
أَوْ نِسائِهِنَّ
للاتباع والمشاكلة ، فيجوز للمرأة المسلمة أن تبدي من زينتها للمرأة الكافرة ما يحل لها أن تبديه للمسلمة ، وهذا هو أحد قولين عند كل من الحنفية والشافعية ، وصححه الغزالي من الشافعية ، وأبو بكر بن العربي من المالكية ، وقال آخرون : إنّ المراد بهن خصوص النساء المسلمات ، فتكون الإضافة للاختصاص ، أي النساء المختصات بهن في الصحبة والأخوة في الدين ، وعلى هذا لا يحل للمسلمة أن تبدي شيئا من زينتها الباطنة للكافرة . واعتمده جمع من الشافعية . وقال أبو السعود من الحنفية : إنّه يصح القولان في مذهبهم ، هو قول أكثر السلف . أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في « سننه » عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي اللّه عنه : أما بعد فإنّه بلغني أنّ نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك ، فإنه من قبلك عن ذلك ، فإنّه لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا من كانت من أهل ملتها . وأما التابعون غير أولي الإربة فقد قال اللّه فيهم :
أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ
الإربة والأرب والأرب والمأربة : الحاجة . والمراد بالإربة هنا الحاجة إلى
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .