تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
مضاف ، والأصل : ولا يبدين مواقع زينتهن . وإما بطريق إطلاق الزينة وإرادة مواقعها لقوة الملابسة بينهما . والصارف عن المعنى الحقيقي أنّ الزينة نفسها ليست مقصودة بالنهي ، بدليل أنّ ما استثني منها في قوله تعالى :
إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها
قد فسره كثير من الصحابة والتابعين بالوجه والكفين ، وظاهر أنّ المستثنى من جنس المستثنى منه ، فيكون المراد من الزينة مواقعها من البدن . يؤيّد هذا ما رواه أبو داود « 1 » عن عائشة أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها ، وقال : « يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا » وأشار إلى وجهه وكفيه ، فإنّ هذا الحديث الشريف في معنى الآية . وظاهر قوله تعالى :
إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها
أنّ النساء منهيات عن إبداء الزينة إلا الزينة التي ظهرت ، فلسن منهيات عن إبدائها ، وهو معنى لا يكاد يستقيم ، لأنّ ما ظهر بالفعل فقد بدا فلا يقال فيه : إنهن غير منهيات عن إبدائه ، وحينئذ فلا بد من تأويل في الكلام ، وذلك بأحد وجوه ثلاثة : الأول : أن الاستثناء هنا منقطع ، والمعنى عليه : ولا يبدين زينتهن أبدا ، لكن ما ظهر منها بنفسه ؛ ومن غير قصد فهو عفو ، كأن كشفت الريح عن نحرها أو ساقها . الثاني : أن المستثنى منه محذوف دل عليه النهي ، فكأنه قيل : ولا يبدين زينتهن ، وهنّ مؤاخذات على إبداء زينتهن ، إلا ما ظهر منها بنفسه ، فلسن مؤاخذات عليه . وعلى هذين التأويلين لا يكون ما ظهر من الزينة شيئا معيّنا . والثالث : أنّ معنى ما ظهر : ما جرت العادة وقضت الحاجة بظهوره ، وكان في ستره حرج ومشقة في المتعارف بين الناس : أي ولا يبدين شيئا من زينتهن إلا شيئا جرت العادة بظهوره ، فلسن منهيات عن إبدائه ، وذلك هو الوجه والكفّين وما فيهما من زينة كالكحل والخضاب والخاتم ، وعلى هذا التأويل تكون الزينة نوعين : ظاهرة وباطنة ، فاللّه قد حظر إبداء شيء من الزينة الباطنة لغير من استثني فيما يأتي ، ولم يحظر إبداء الزينة الظاهرة ، لأنّ الحاجة تقضي بظهورها كما علمت . وتعميم النهي أولا ، ثم الاستثناء منه ثانيا مشعر بأنّه ينبغي للنساء أن يحتطن في الستر ، ولا يبدين من زينتهن الظاهرة إلا ما تدعو حاجتهن إلى إبدائه . وعلى الاختلاف في تأويل الآية انبنى خلاف الأئمة في آرائهم ومذاهبهم في عورة المرأة ، فالحنفية والمالكية على أنّ الوجه والكفين ليسا بعورة ، وهو أحد قولي الشافعي ، ويشهد لهم ما تقدم من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في السنن ( 4 / 29 ) ، كتاب اللباس ، باب فيما تبدي المرأة حديث رقم ( 4104 ) .