تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير آيات الأحكام — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا » وأشار إلى وجهه وكفيه « 1 » . وفي رواية عن أبي حنيفة رضي اللّه عنه : أن القدمين ليستا من العورة أيضا . نظر في ذلك إلى أنّ الحرج في سترهما أشدّ منه في ستر الكفين ، لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء القرى الفقيرات ، اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات . وعن أبي يوسف أن الذراعين ليستا بعورة كذلك ، لما في سترهما من الحرج ، فأنت ترى أصحاب هذا القول قد نحوا في الآية منحى التأويل الأخير ، وأنّ المراد أنهنّ منهيات عن إبداء زينتهن إلا ما دعت الحاجة إلى ظهوره وجرى عرف الناس في عصر التنزيل على أنه من الزينة الظاهرة التي لم يحظر إبداؤها . وذهب الإمام أحمد إلى أن بدن الحرة كلّه عورة ، فيحرم إبداء شيء منه للأجنبي ، وهو أصحّ قولي الشافعي ، وأصحاب هذا الرأي تأولوا الآية على أحد الوجهين : الأول والثاني ، وأن المراد
ما ظَهَرَ
: ما ظهر بنفسه من غير قصد إلى إظهاره ، ويشهد لذلك من السنة : ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي « 2 » عن جرير بن عبد اللّه قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن نظرة الفجأة فقال : « اصرف بصرك » . و ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي « 3 » عن بريدة قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعلي : « يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى ، وليست لك الآخرة » . و ما رواه البخاري « 4 » عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه - وفيه قصة المرأة الوضيئة الخثعمية - فطفق الفضل ينظر إليها ، فأخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذقن الفضل ، فحوّل وجهه عن النظر إليها . وقول اللّه تعالى :
وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
[ الأحزاب : 53 ] وهو - وإن كان السبب فيه أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - فإنّ الحكم يتناول غيرهن بطريق القياس عليهن . ولعلك إذا نظرت إلى أنّ الشريعة سهلة سمحة لا حرج فيها ولا مشقة ، ترجّح القول بأنّ الوجه والكفين من الأجنبية ليسا من العورة ، فإنّ في تكليف النساء ستر الوجه والكفين حرجا ومشقة عليهن ، لا سيما الفقيرات اللاتي ليس لهن خدم ، فيضطرون إلى قضاء حاجاتهن من الأسواق بأنفسهنّ . وينبغي أن يكون القول بهذا خاصّا بالحالات التي تؤمن فيها الفتنة ، أما في غيرها من الحالات التي نخشى فيها الفتنة ، وفي الأوقات التي يكثر فيها الفساق في الأسواق
هامش
( 1 و 2 و 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) رواه البخاري في الصحيح ( 7 / 164 ) ، 79 - كتاب الاستئذان ، 62 - باب قول اللّه تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْحديث رقم ( 6228 ) .