ذلك كان قبل نزول الحجاب ، أو أنّها كانت يومئذ جارية صغيرة كما قالت هي عن نفسها . وعن سكنى فاطمة بنت قيس في بيت ابن أم مكتوم بأنه يمكن أن تساكنه وتغض بصرها عنه .
وكذلك يمكن أن يستمع النساء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع غض أبصارهن عنه عليه الصلاة والسلام وعن بلال رضي اللّه عنه .
ولعل أولى ما جمع به بين هذه الأحاديث المتعارضة أن يحمل الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب ، وكذلك احتجاب عائشة رضي اللّه عنها من الأعمى كان ورعا منها وعملا بما هو أجمل وأولى بالنساء ، وحينئذ لا يكون حراما على المرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما عدا ما بين السرة والركبة ، ويؤيد ذلك استمرار العمل على خروج النساء إلى الأسواق وإلى المساجد وفي الأسفار منتقبات حتى لا يراهن أحد من الرجال ، ولم يؤمر الرجال بالانتقاب حتى لا يراهم النساء ، فكان ذلك دليلا على المغايرة بين الرجال والنساء في الحكم . وليس بصحيح ما قيل من أن عائشة كانت صغيرة حينما كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون ، ولا أن ذلك كان قبل نزول الحجاب ، لأنّ في بعض روايات الحديث تصريحا بأنّ هذه القصة كانت بعد قدوم وفد الحبشة ، ومعلوم أنّ قدومهم كان سنة سبع وسن عائشة يومئذ ست عشرة سنة ، وكانت هذه الحادثة بعد نزول الحجاب كما هو ظاهر .
وقوله تعالى :
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
يقال فيه ما قيل في نظيره في الآية السابقة ، وحاصله أنّ المراد بحفظ الفروج البعد عن الزنى والسحاق ، أو سترها حتى لا يراها أحد ، أو أنّ المراد الأمران جميعا .
وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها
الزينة في الأصل اسم لكل ما يتزين به ويتجمل من أنواع الحلي والخضاب وغيرها .
وقد اختلف العلماء في المراد بالزينة في الآية ، فحملها بعضهم على معناها الحقيقي ، إذ كان لا يصحّ العدول عنه متى أمكنت إرادته ، وقال : إنّ الكلام دائر حول الزينة نفسها ، والنهي منصبّ على إبدائها ذاتها ، بدليل قوله تعالى فيما سيأتي
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ
ومعلوم أن ليس المراد أنهن منهيات عن إبداء الزينة مطلقا ، حتى ولو كانت معروضة في منديل للبيع في الأسواق ، بل المراد أنهنّ منهيات عن إبداء الزينة حين التحلي بها ، واستعمالها في مواقعها ، وحينئذ يكون إبداء مواقع الزينة منهيا عنه من باب أولى ، فإنّه ما نهي عن الزينة إلا لملابستها تلك المواقع ، فكان إبداء المواقع نفسها متمكنا في الحظر ، ثابت القدم في الحرمة .
ومنهم من قال : إن المراد من الزينة مواقعها من الأعضاء ، إما بطريق تقدير