تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
فرعون للتشاور في معالجة الموقف ، إذ نقرأ في أوّل آية من هذا المقطع : « وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلهٍ غَيْرِى » . فأنا إلهكم في الأرض . . أمّا إله السماء فلا دليل على وجوده ، ولكنّني سأتحقق في الأمر ولا أترك الاحتياط ، فالتفت إلى وزيره هامان وقال : « فَأَوْقِدْ لِى يَا همنُ عَلَى الطّينِ » . ثم أصدر الأوامر ببناء برج أو قصر مرتفع جدّاً لأصعد عليه واستخبر عن إله موسى . « فَاجْعَلْ لِّى صَرْحًا لَّعَلّى أَطَّلِعُ إِلَى إِلهِ مُوسَى وَإِنّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكذِبِينَ » . ولمّا بلغ البناء تمامه . . جاء فرعون بنفسه يوماً وصعده بتشريفات خاصة . المعروف أنّه رمى سهماً إلى السماء ، فرجع السهم مخضباً بالدم على أثر إصابته لأحد الطيور أو أنّها كانت خديعة من قبل فرعون من قبل . . فنزل فرعون من أعلى القصر وقال للناس : اذهبوا واطمأنوا فقد قتلت إله موسى . ومن المسلم به أنّ جماعة من البسطاء الذين يتبعون الحكومة اتباعاً أعمى وأصم ، صدّقوا ما قاله فرعون ونشروه في كل مكان ، وشغلوا الناس بهذا الخبر لإغفالهم عن الحقائق . بعد هذا كلّه يتحدث القرآن عن استكبار فرعون ومن معه ، وعدم إذعانهم لمسألتي « المبدأ والمعاد » بحيث كان فرعون يرتكب ما يشاء من إجرام وجنايات بسبب إنكار هذين الأصلين فيقول : « وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَايُرْجَعُونَ » . لكن لننظر إلى أين وصل هذا الغرور بفرعون وجنوده ؟ يقول القرآن الكريم : « فَأَخَذْنهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنهُمْ فِى الْيَمّ » . أجل ، لقد جعلنا سبب موتهم في مصدر معيشتهم ، وجعلنا النيل الذي هو رمز عظمتهم وقوّتهم مقبرةً لهم . إنّ تعبير « نبذناهم » من مادة « نبذ » ، ومعناه رمي الأشياء التي لا قيمة لها وطرحها بعيداً . ثم ، يختتم الآية بالتوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله قائلًا : « فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عقِبَةُ الظَّالِمِينَ » . ثم يضيف القرآن قائلًا في شأنهم : « وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيمَةِ لَايُنصَرُونَ » . فكما أنّهم كانوا في هذه الدنيا أئمّة الضلال ، فهم في الآخرة - أيضاً - أئمة النار ، لأنّ ذلك العالم تجسم كبير لهذا العالم . ولمزيد التأكيد يصور القرآن صورتهم وماهيتهم في الدنيا والآخرة : « وَاتَّبَعْنَاهُمْ فِى
مختصر الامثل — صفحة 509 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي