تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
الشرارة الأولى للوحي : نصل الآن - إلى المقطع السابع - من هذه القصة . . لا يعلم أحد - بدّقة - ما جرى على موسى في سنواته العشر مع شعيب ، ولا شك أنّ هذه السنوات العشر كانت من أفضل سنوات العمر لموسى عليه السلام . ومن البديهي أنّ موسى عليه السلام لا يقنع في قضاء جميع عمره برعي الغنم ، وإن كان وجود « شعيب » إلى جانبه يعدّ غنيمة كبرى ، فعليه أن ينهض إلى نصرة قومه ، وأن يخلصهم من قيود الأسر ، وينقذهم من حالة الجهل وعدم المعرفة . إنّ القرآن يقول في أوّل من آية هذا المقطع : « فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا » . ثم التفت إلى أهله و « قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنّى ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلّى ءَاتِيكُم مّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ » . أي ( تتدفؤون ) . « آنست » : مشتقة من مادة « إيناس » ، ومعناها المشاهدة والرؤية المقترنة بالهدوء والراحة . « جذوة » : هي القطعة من النار . ويستفاد من قوله « لَّعَلّى ءَاتِيكُم مّنْهَا بِخَبَرٍ » أنّه كان أضاع الطريق ، كما يستفاد من جملة « لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ » أنّ الوقت كان ليلًا بارداً . « فَلَمَّا أَتهَا » . أي أتى النار التي آنسها ورآها ، فتعجب موسى من ذلك : « نُوِدىَ مِن شطِىِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ » . « الشاطئ » : معناه الساحل ؛ و « الوادي » : معناه الطريق بين الجبلين ، أو ممر السيول ؛ و « الأيمن » : مشتق من « اليمين » خلاف اليسار ، وهو صفة للوادي ؛ و « البقعة » : القطعة من الأرض المعروفة الأطراف . ولا شك أنّ اللَّه سبحانه قادر على أن يجعل الأمواج الصوتية في كل شئ ، فأوجد في الوادي شجرة ليكلّم موسى . ومع الالتفات إلى أنّ موسى عليه السلام سيتحمل مسؤولية عظيمة وثقيلة . . فينبغي أن تكون عنده معاجز عظيمة من قبل اللَّه تعالى مناسبة لمقامه النبوي ، وقد أشارت الآيات إلى قسمين مهمين من هذه المعاجز : الأولى قوله تعالى : « وَأَن أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقّبْ » . في هذه الحال سمع موسى عليه السلام مرّة أخرى النداء من الشجرة : « يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ » .