موسى في مواجهة فرعون : نواجه المقطع الثامن من هذه القصة العظيمة . . لقد تلقى موسى عليه السلام من ربّه الأمر بأن يصدع بالنبوّة والرسالة في تلك الليلة المظلمة والأرض المقدّسة ، فوصل إلى مصر ، وأخبر أخاه هارون بما حُمّل . . فذهبا معاً إلى فرعون ليبلغاه رسالة اللَّه . يقول القرآن في أوّل آية من هذا المقطع : « فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَى بَايَاتِنَا بَيّنَاتٍ قَالُوا مَا هذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى » .
وأنكروا أن يكونوا سمعوا مثل ذلك ، « وَمَا سَمِعْنَا بِهذَا فِى ءَابَائِنَا الْأَوَّلِينَ » .
فواجهوا موسى متوسلين بحربة توسل بها جميع الجبابرة والضالون على طول التاريخ ، حين رأوا المعاجز من أنبيائهم . . وهي حربة « السحر » .
لكن موسى عليه السلام أجابهم بلهجة التهديد والوعيد ، حيث يكشف لنا القرآن هذا الحوار « وَقَالَ مُوسَى رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عقِبَةُ الدَّارِ » .
إشارة إلى أنّ اللَّه يعلم حالي ، وهو مطلع علي بالرغم من اتهامكم إيّاي بالكذب . .
ثم بعد هذا ، لو كان كلامي كذباً فأنا ظالم و « إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » .
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ( 39 ) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ( 41 ) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ( 42 )
كيف كان عاقبة الظالمين : نواجه هنا المقطع التاسع من هذا التاريخ الملئ بالأحداث والعبر .
فقد شاع خبر انتصار موسى عليه السلام على السحرة في مصر ، وموقع الحكومة الفرعونية أصبح في خطر جدي شديد . فيجب صرف أفكار الناس ، واشغالهم بسلسلة من المشاغل الذهنية ، لإغفال الناس وتحميقهم . وفي هذا الصدد يتحدث القرآن الكريم عن جلوس
مختصر الامثل — صفحة 508
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٠٨