تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الامثل — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
« الجانّ » : في الأصل معناه الموجود غير المرئي ، كما يطلق على الحيات الصغار اسم ( جان ) أيضاً ؛ لأنّها تعبر بين الأعشاب والأحجار بصورة غير مرئية . كانت المعجزة الأولى آية « من الرعب » ، ثم أمر أن يظهر المعجزة الثانية وهي آية أخرى « من ا لنور والأمل » ومجموعهما سيكون تركيباً من « الإنذار » و « البشارة » إذ جاءه الأمر : « اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ » . فالبياض الذي يكون على يده للناس لم يكن ناشئاً عن مرض - كالبرص ونحوه - بل كان نوراً إلهياً جديداً . لقد هزّت موسى عليه السلام مشاهدته لهذه الأمور الخارقة للعادات في الليل المظلم وفي الصحراء الخالية . . ومن أجل أن يهدأ روع موسى من الرهب ، فقد أمر أن يضع يده على صدره : « وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ » . وجاء موسى النداء معقّباً : « فَذنِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَبّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فسِقِينَ » . هنا تذكر موسى عليه السلام حادثة مهمّة وقعت له في حياته بمصر ، وهي قتل القبطي ، وتعبئه القوى الفرعونية لإلقاء القبض عليه وقتله . لذلك فإنّ موسى : « قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ » . وبعد هذا كلّه فإنّي وحيد ولساني غير فصيح ، « وَأَخِى هرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدّقُنِى إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ » . « أفصح » : مشتقة من « الفصيح » وهو في الأصل كون الشيء خالصاً ، كما تطلق على الكلام الخالص من كل حشو وزيادة كلمة « الفصيح » أيضاً . و « الردء » : معناه المعين والمساعد . فأجاب اللَّه دعوته ، وطمأنه بإجابة ما طلبه منه و « قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا » فالسلطة والغلبة لكما في جميع المراحل . وبشرهما بالنصر والفوز ، وأنّه لن يصل إليهما سوء من أولئك ؛ إذ قال سبحانه : « فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بَايَاتِنَا » . فبهذه الآيات والمعاجز لن يستطيعوا قتلكما أو الاضرار بكما « أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ » . فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 )
مختصر الامثل — صفحة 507 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي