روح أن يعيش على وجه الأرض دون وطء الثرى والتراب ، حتى الحيوانات المائية فإنها لا بد لها من تناول غذائها من أعماق اللجج ومن قعر البحر عن الرمال والصخور . فسبحان من فطر الأشياء على ما فطرها عليه ، وأجرى لكلّ منها طبيعة وعادة نوعية ، فجعل الماء لا يفيد بلا تراب ، وجعل الهواء لا يفيد بلا ماء ، وجعل التراب لا يفيد بلا هواء ولا ماء ، وجعل الفوائد الحياتية بضميمة ذلك وغيره من العناصر بعضها إلى بعض لتتوفر فائدة كل شيء مع فائدة غيره ، وتتحد الفوائد كلها لمصلحة الكائن الحي . .
هذا ما رأيته بنظري القاصر وما انقدح في ذهني وجال في فكري ، أذكره للقارئ وإن كنت لم أره في كتاب ولا سمعته من محدّث ولا وعيته من واعظ ، وإن كان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود . .
وبالجملة فإن التراب والماء هما بمنزلة قوّتي الفعل والانفعال ، ويمكن أن يقال إنه تعالى كوّن في التراب حيثية الانفعال ، وفي الماء حيثية الفعل ، فإذا قرنا يتولد منهما ما يتولد مما يشاء اللّه من الخلق والنّعم والآلاء . وما اختيار الباري جلّ وعلا لذكر الطين من بين الموجودات الأرضية ، إلّا من هذا الباب ، ومن كون التراب منبعا للفيوضات ومصدرا لوجود الإنسان الذي هو أشرف الكائنات وأعلى الموجودات . . ومن هنا لا بد لك أن تعرف أن إبليس اللعين كان من أغبى المخلوقات ، ومن أدناها فهما ، وأحطّها مقاما وأكثرها جهلا وأشدّها ضلالا حين أنكر معرفته بحقائق الموجودات واستكبر عن السجود لآدم عليه السلام وقال لخالقه وخالق العالمين : أنا خير منه ، خلقتني من نار ، وخلقته من طين . . أفما علم أن النار ذاتها لا تتكوّن من دون أجزاء الأرض ؟ وأنه لولا الأرض والتراب لما وجدت النار وانعدم مصدرها ؟ . . فالطين مقدّم على النار ، وهو أعلى مرتبة منها بلا ريب .
والجواب عن السؤال الثاني : أن خلق الطير صعب . ففيه جميع ما
الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 61
مساهمون: الشيخ محمد السبزواري النجفي
ص٦١