تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
جلدي يلّون الجلد بلون بياض ويشوّهه ، ويحصل عن فساد في المزاج وخلل في الأخلاط الأربعة التي قوام البدن وصحته باستقامة نسبها واستوائها . وعلاجه صعب ممتنع ولذا اختصه سبحانه بالذكر من بين الأمراض ، وجعل الشفاء منه آية للنبوة . بل يفعل ما هو عندهم ممتنع عقلا كإحياء الموتى وردّ الأرواح إلى أجسادها ، بل يقدره اللّه على أعظم من ذلك وما هو أشدّ امتناعا من ذلك كله وهو إيجاد الأرواح في أجسام يصنعها بيده كخلق الطيور . . فما أصعب أن يعجن طينا ثم ينفخ فيه فيصير بإذن اللّه طيرا ذا ريش وأجنحة ولحم ودم وحواس ، يتمكن من الحركة الحرة الطليقة بشكل يحير الألباب ويدهش ذوي العقول ؟ . . فبالجملة جعل اللّه له هذه الأشياء لتكون علامة على صدق رسالته ، وسببا للتصديق به ، وحجة مثبتة لنبوّته . وها هنا أسئلة : الأول : لماذا آثر الطين في مقام إظهار الآية من سائر الموجودات الأخرى القابلة لذلك ؟ الثاني : لماذا اختار الطير من بين ذوات الروح ؟ الثالث : لماذا قدّم هذه الآية على الآيات الأخر ؟ والجواب على الأول : أن الطين جسم لين ، قابل لأن يتشكل كيفما أراده صانعه وهو معدّ لأن تجسد به أية صورة بلا كلفة وبدون مؤونة ، ولا يزاد عليه شيء ولا ينقص منه ، ولا في تحصيله صعوبة ، بخلاف الأجسام التي لا تخلو من الحاجة إلى كثير غيرها . والطين هو عجين التراب ، والتراب من أشرف العناصر التي خلق منها الإنسان ، وهذا الأمر هو المختار لدينا في مقام تقديم التراب على غيره ، وإن كان لا بأس بالاستدلال بغير ما اخترنا . فالتراب كفء الماء وقرينه . وقد قال تعالى فيه : وجعلنا من الماء كل شيء حي ، ومع ذلك فهو لا يفضل على التراب إذ لو فرض أن غمر وجه الأرض كله الماء كالطوفان مثلا ، فلا يتسنى للإنسان ولا لأي ذي
الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 60 | الشيخ محمد السبزواري النجفي