تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجديد في تفسير القرآن المجيد — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
نبيا . . وكان كلامه إعجازا بهر قومه ، ولذا قبل أكثرهم جميع مقالاته التي كان أو لها اعترافه بأنه عبد للّه ، لا أنه هو اللّه ، لأنه كان عالما بسفاهة قومه وضلالتهم الناشئة عن الجهل ، ولذا نبههم بكونه عبدا من عباد اللّه ، ومخلوقا من مخلوقاته تعالى ، ومع ذلك رجعوا بعده بمدة عن التوحيد وعادوا إلى الشّرك وقالوا بألوهيته . هكذا خلقه اللّه تعالى يكلّم قومه في المهد لتبرئة أمّه ولإثبات عبوديته ونبوته
وَكَهْلًا
أي حال كونه ابن ثلاثين إلى أربعين سنة يكلّمهم بصفة النبوة ، ويبلغهم الرسالة في كل مكان ، ولذا كان عليه أن يتردد بين القرى والمدن للتبليغ وليذكرهم تقلّب أحواله ولينفي الألوهية عن نفسه ، وليثبت لهم أنه من سنخ البشر . وقد أشار اللّه سبحانه ونبّه إلى جهات تكوينه ، وطفولته ، وكهولته ، وجميع تقلبات أحواله دفعا لشبهة تأليهه ، فلا بد أن يتدبر العاقل هذه الأمور ويحصل له اليقين بأن عيسى عليه السلام بشر من البشر
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
وهذه حالة أخرى له تنفي عنه صفة الألوهية ، فهو عبد صالح عدّه اللّه تعالى في الصالحين . 47 -
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ . .
أي أن مريم تعجبت وسألت ربّها : من أين يكون لي ولد
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
فإن الولد يكون بأسبابه الطبيعية فكيف يكون لي بلا زوج ؟ . .
قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
فأجيبت بأن الأمر بيده تعالى يخلق بأيّة كيفية يريد ، وسترزقين ولدا كذلك ، أي على الكيفية التي أنت عليها ، وهو سهل عليه يسير ، لأنه
إِذا قَضى أَمْراً
وقدّر وحتمه
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ ، فَيَكُونُ
ولعل لفظة : كن إرشاد إلى إرادته التكوينية كما قلنا سابقا ، فإن ساحته المقدسة منزهة ومستغنية عن قول : كن ونحوها من الأسباب للخلق ، فإذا شاء أن يخلق شيئا بلا سبب يخلقه كذلك ويخلق الساعة لمجرد إرادته سبحانه . 48 -
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ . .
أي جنس الكتاب المنزل . أما الحكمة فلعل المراد بها الفقه والمعرفة ، وقيل لها معان أخر ذكرناها