سواء في العلوم العقلية أم النقلية ، وما دام الإنسان منقطعا لنفسه فهو في أمان من أهله كائنين من كانوا بل لا يعود يعرفهم بالمرّة الّا من طريق المعاملات الجزئية التي يحتاجها لحياته اليومية ، لكنني لم اصخ للعزلة ولم انقطع لنفسي بل اقترنت بمن لا أعرفه ولا يعرفني فكان ذلك فتح باب لأذايا مستمرة ، وبالنهاية كما أشعرت آنفا ان هدفى في الهجرة من النجف إلى غيرها من المراكز العلمية كان الانقطاع إلى التحصيل والقبوع في زوايا الانزواء والعزلة عن كل شيء سوى تهذيب نفسي وتأديبها وعلى هذا الأساس نقول .
( اىّ المسيرين من وجهة المنطق أفضل وبصاحبه أجمل ) منذ القديم عدّ الانحشار مع الناس أو الانزواء عنهم لعلم أو عمل من رديف المحاسن والاضداد فبعضهم يرى الانحشار مع الناس على طول الخط هو الواجب المحتم والانزواء موتا للإنسان الحىّ ويرى الفريق الآخر عكس ذلك لكن الحق لا هذا ولا ذاك والاعتدال في التوسط وان لم يخل من لائمة فان بسط الانحشار على ابعاده متلفه للوقت وإضاعة للعمر لا عن محصل سوى تكثير الأصدقاء والأحباء وتوسعة المجاملات الدنيوية بما يعود معها الإنسان صاحب اخوان وخلّان وهو في نفسه من الفوائد الحيوية الا انه يزاحم التحصيل مزاحمة قوية بل يتلف عليه الفرص السانحة وبذلك تنهار حياة المحصّل ولا يستحصل من أطرافها الواسعة سوى قوة المجاملة ولباقة اللسان على فقر مدقع من المعلومات الصحيحة ومراتب الفضيلة كما هو مشهود لي في جملة وافرة من إخواننا الروحيين في الشيب منهم والشباب بحيث لا مائز بينهم وبين سواد الناس الّا بصرف البزّة واللباس وهذا ما لا ينبغي ان يرضاه الروحي لنفسه .
التفسير لكتاب الله المنير — صفحة 409
مساهمون: محمد الكرمي
ص٤٠٩