تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
استجاب لكلامك ، ونفّذ كلّ ما قلت حالا ، ورد إليّ ذهبي ؟ ما سبب حرمتك هذه عنده ؟ قل لي ، لأعرفه » . قال : « أو ما تدري خبري مع أمير المؤمنين ؟ . قلت : « لا » . قال : « اصغ إليّ ، وهاك ما أقول » . قال : « اعلم أنني أؤذن على مئذنة هذا المسجد منذ ثلاثين سنة ، وأكسب رزقي من الخياطة . لم أشرب الخمرة ، ولم أرتكب الزنا أو اللواط ، أو اقترف الأعمال القبيحة قط . ومنذ ذلك الوقت وأنا أسكن هنا في حي أحد الأمراء . وذات يوم ، صلّيت العصر وخرجت من المسجد متجها إلى الدكان ، فإذا ذلك الأمير ، سكران ، ممسك بعباءة امرأة شابة يدفعها عنوة ، وهي تصرخ وتقول : « أيها المسلمون ، أغيثوني فلست من هذا الصنف من النساء ! إنني ابنة فلان وزوج فلان ، وبيتنا في المكان الفلاني ، والناس كلهم يعرفونني بالستر والصلاح . إن هذا التركي يجرني عنوة لقضاء مآربه الدنيئة . لقد أقسم زوجي أنه سيطلقني إن تغيبت عن المنزل الليلة » . لقد كانت تبكي وتستغيث دون أن يهب لنجدتها أحد . لأن هذا التركي كان عظيما ومهيمنا ، وكان له عشرة آلاف فارس ، ولم يكن أحد يجرؤ على أن يكلمه حرفا . غير أنني صرخت لمدة قصيرة لكن دون جدوى إذ مضى بالمرأة إلى قصره . وثارت في نفسي ، لذلك التعدي والظلم ، الحمية الدينية وعيل صبري . فذهبت وجمعت شيوخ الحي ، ثم مضينا جميعا إلى قصره ، فاعترضنا ، وصرخنا بأعلى أصواتنا : « ألم يبق ببغداد مسلم حتى تساق فيها امرأة من الشارع كرها على سمع الخليفة وبصره لارتكاب الفاحشة معها ؟ ! إن تترك المرأة فبها ونعمت ، وإلا فها نحن أولاء ماضون إلى بلاط المعتصم نشكوك إليه » . ولما سمع الأمير صراخنا ، خرج إلينا مع غلمانه ، فأوجعونا ضربا ، وكسروا أيدينا وأرجلنا . لما رأينا الأمر على هذه الحال ، لذنا بالفرار وتفرقنا . وكان الوقت عشاء ، فأدّيت الصلاة . وبعد مدة ، ارتديت ثياب نومي واضطجعت على الأرض ، لكن لم تغمض لي عين لشدة ما كنت فيه من إعياء وغيرة . واستغرقت في تفكير عميق إلى أن مضى من الليل نصفه ، وقلت في نفسي : إن كان يريد فسادا فقد حقق بغيته ، الأمر الذي لا يمكن تلافيه ، وهذا أسوأ من قسم زوج المرأة عليها بالطلاق إن هي تغيبت عن البيت ليلا . لكنني سمعت أن المدمنين ينامون حين يأخذ منهم السكر مأخذه ، وأنهم حين يفيقون لا يدركون كم مضى من الليل . حينئذ صممت على أن أصعد إلى المئذنة وأؤذن للصلاة فلربما يظن التركي حين سماع الآذان أن النهار قد وضح ، فيطلق سراح المرأة ويخرجها من قصره . ولا بدلها بعد ذلك من أن تمر بالقرب من باب المسجد . أما أنا ، فسأنزل بعد الأذان حالا وأقف بالباب في انتظارها ، لأوصلها إلى بيت زوجها حتى لا تدفع المسكينة طلاقها وخراب بيتها ثمنا لما حدث . ونفذت ما فكّرت به : فصعدت إلى المئذنة وأذنت للصلاة ، وأمير المؤمنين المعتصم لما ينم . فلما سمع