تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
رأيت من عدم حميتي وغيرتي على الدين الإسلامي ، أو من ظلمي الناس ؟ وأي خلل طرأ على الإسلام والمسلمين في عهدي ؟ ألست أنا الذي خرج من أجل مسلم وقع أسيرا بأيدي الروم من بغداد إلى بلادهم فكسرت جيوشهم ، وهزمت قيصرهم ، ودمرت بلادهم على مدى ست سنوات ؟ أو لست أنا الذي هدم القسطنطينية وأحرقها وبنى فيها المسجد الجامع ، ولم يعد قبل أن يخلص ذلك الرجل من قبضتهم « 22 » ؟ إن الذئب والشاة يشربان - في هذه الأيام - من مورد واحد ، لعدلي والخوف مني ، فكيف تجرؤ على سوق امرأة ببغداد إلى قصرك عنوة ، وترتكب معها الفاحشة ، وتعتدي على من نهوك وأمروك بالمعروف ضربا ؟ ! » . ثم أمر أن « أحضروا جولقا « 23 » ، ضعوه - أي الأمير التركي - فيه ، ثم احكموا ربطه » . ففعلوا . بعد ذلك أمر بمدقين مما يفتّت به الجصّ « 24 » ، وقال : « ليقف واحد في هذا الطرف ، وواحد في الطرف الآخر ثم اضرباه إلى أن يصير إربا إربا » . وشرع الرجلان يضربانه فورا ، إلى أن فتتاه تفتيتا ، وقالا : « يا أمير المؤمنين ، إن عظامه دقت دقا » . فأمر بأن يحملا الجولق مثلما هو ، ويلقياه في نهر دجلة . بعد ذلك ، قال المعتصم لي : « يا شيخ ، اعلم أن من لا يخاف اللّه ، لا يخافني أيضا ، في حين أن من يخافه ، عزّ وجلّ ، لا يقدم على عمل يعاقب به في الدنيا والآخرة . أما هذا الرجل ، فقد لاقى جزاءه ، لأنه فعل ما لا يفعل ، وأما أنت ، فإنني آمرك من الآن بأن ترفع الأذان في غير وقته كلما علمت بظلم شخص لآخر ، أو إيذائه إياه دونما حق ، أو لاستخفاف يبدو منه بالشرع ، لأطلبك حين سماعه ، وأستفسر عن الأمر ، وأعاقب المذنب بمثل ما عاقبت به هذا الكلب ، وإن يكن ابني أو أخي » . ثم أمر لي بصلة وصرفني .
هامش
( 22 ) من المعروف ، تاريخيا ، أن المعتصم حارب الروم استجابة لاستغاثة امرأة ، وكان من ذلك فتح عمورية عام 223 ه إذ مدحه الشاعر أبو تمام . وقد انتبه عباس إقبال ودارك إلى هذه الأغلاط التاريخية . قال الأول : « هذه الجملة إشارة إلى حملة المعتصم على البلاد المتعلقة بالروم في آسيا الصغرى ، وفتح قلعة عمّورية عام 223 ه ، وأسر كثيرين منهم . أما ما ذكر في هذه القصة من فتح القسطنطينية ، وبناء مسجد فيها ، وبقاء الخليفة ست سنوات في بلاد الروم فكلها من أغلاط المؤلف التاريخية ، وليس لأي منها أساس من الصحة » ، ( حاشية ص 68 ) . ويقول دارك : « ما في ( تاريخ گزيده ) أن المعتصم إنما غزا بلاد الروم ليخلص امرأة مسلمة وقعت في قبضتهم . . . ولو أشير هنا إلى امرأة لكان أنسب . لكن كلمة ( رجل ) هي التي ضبطت في جميع النسخ الخطية » . ( التعليقات ، ص 335 ) . ( 23 ) جولق : معرب « جوال » الفارسية . ويقال في عامية بلاد الشام ، : « شوال » و « كيس » وهو معرب « كيسه » الفارسية أيضا . ( 24 ) الجصّ : معرب « گچ » الفارسية .