وهو يقول : « يا رب . أنت المغيث ، فأوصلني إلى حقي ، وأنصفني من هذا الظالم » . واتفق أن كان في المسجد درويش يسمع بكاء الرجل وتضرعه . فرقّ له قلبه . ولما انتهى من تضرعه ، قال الدرويش له :
« يا شيخ ، ما الذي دهاك حتى تتأوه هكذا ؟ أخبرني » . فقال : « لقد وصلت بي الحال حدّا لا يفيد معه القول إلى أي مخلوق إلا أن يستجيب اللّه تعالى لي » . فقال الدرويش : « قل لي ، فلا بد أن تكون ثمة أسباب » . فقال الرجل : « يا أيها الدرويش ، إن الخليفة هو الوحيد الذي أخبره بالأمر . لقد أخبرت كل أمراء المدينة وعظمائها وولجت باب القاضي ، لكن دون جدوى . فما الفائدة من أن أقول لك ؟ » . قال :
« إنني ممن يقال لهم إن لم يفدك قولك لي ، فإنه لن يضرك ، ألم تسمع قول الحكماء : على كل ذي ألم أن يبوح للآخرين بألمه ، فلربما وجد العلاج عند أقلهم شأنا . إن تقصّ علي أمرك فقد تجد له مخرجا ، وإلا فلن تصير حالك إلى أسوأ مما هي عليه » . فقال الرجل في نفسه : « صحيح ما يقول » ، وقصّ عليه قصته .
لما سمع الدرويش قصة حال الرجل قال : « أيها الرجل الشهم . لقد وجدت مخرجا لما أنت فيه من بلاء ما إن قلت لي ، ليطمئن قلبك . إن تنفّذ ما أقوله ، تسترد ذهبك اليوم » . قال الرجل : « ما أفعل » ؟ قال الدرويش : « امض الآن إلى المسجد ذي المئذنة في المكان الفلاني . إن بجانب المسجد بوابة بعدها دكان حيث يجلس هناك رجل عجوز في ملابس رثة مرقعة يخيط الكرابيس « 14 » ، وعنده صبيّان أجيران يعاونانه في ذلك . اذهب إلى الدكان ، وسلّم على الرجل ، واجلس عنده ، ثم قص عليه قصتك . وحين تظفر بحقك ، ادع لي بالخير . وإياك أن تتوانى في تنفيذ ما قلت لك » .
خرج الرجل من المسجد ، وهو يفكر في نفسه : « يا للعجب ! لقد شفّعت كل العظماء والأمراء ، فتولوا قضيتي ، وتكلموا في أمري ، ووقفوا إلى جانبي دون جدوى ، والآن يرشدني هذا الدرويش إلى رجل عجوز ، ويقول : ستصل به إلى حقك » . إنه كذب وباطل ، لكن ما العمل ؟ ! لأذهب ، وليكن ما يكون ، إن لم تكن ثمة فائدة ، فلن تصير الأمور إلى أسوأ مما هي عليه » .
ومضى إلى باب المسجد ، فالدكان ، ودخل ، فسلم على الشيخ وجلس عنده . ومضت مدة ، والشيخ منهمك في خياطته التي تركها جانبا بعد ذلك ، وقال للرجل : « ما بك ؟ » . فقص عليه قصته من أوّلها إلى آخرها ، وأخبره بدخوله المسجد وتضرعه هناك ، وسؤال الدرويش له ، وإرشاده إليه .
لما سمع الخياط العجوز القصة ، قال : « إن اللّه ، عزّ وجلّ ، هو الذي يدبّر أمور العباد ، أما نحن فلا نملك سوى الكلام . سأكلم خصمك في أمرك ، وأسأل اللّه تعالى أن يدبر لك أمرك ويوصلك إلى
هامش
( 14 ) الكرابيس : جمع كرباس ، فارسي معرب . وهو الثوب يصنع من القطن . وبائعه كرابيسي . وقد جاء على سبيل المثال في كلام لعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف ، رضي اللّه عنهما . ( اللسان : كربس ) .