تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
الأذان في غير وقته غضب غضبا شديدا ، وقال : « إن من يؤذن في نصف الليل لمفسد ، لأن كل من يسمع الأذان ، يظن أن الفجر قد طلع ، فإذا ما خرج من بيته يبتليه العسس » « 19 » . وأمر أحد خدمه أن « اذهب ، وقل لحاجب الباب : إنني - أي المعتصم - أريدك أن تذهب الآن وتحضر المؤذن الذي رفع الأذان في نصف الليل ، لأعاقبه عقابا شديدا ، كي لا يرفع أي مؤذن الأذان في غير موعده بعد ذلك » . وعلى حين كنت واقفا بباب المسجد أنتظر المرأة ، إذا الحاجب يتهادى وبيده سراج . فلما رآني قال : « أأنت الذي أذنت للصلاة ؟ » قلت : « بلى » . قال : « لما ذا أذّنت في غير وقت ؟ لقد استنكره الخليفة جدا ، وهو لهذا ساخط عليك كثيرا ، فأرسلني في طلبك لتأديبك » . قلت : « الحكم ما يراه الخليفة ، إلا أن شخصا سيئ الخلق حملني على أن أرفع الأذان في غير وقته » . قال : « فمن يكون هذا ؟ » قلت : « هو الذي لا يخشى اللّه ، ولا يخاف الخليفة » . قال : « ومن ذا الذي كانت له الجرأة على ذلك ؟ » . قلت : « هذا أمر لا أبوح به لغير أمير المؤمنين ، أما إن كنت أذنت متعمدا لشيء في نفسي ، فإن أيّة عقوبة يقضي بها الخليفة ستكون قليلة بحقي » . قال : « بسم اللّه . هيا بنا إلى الخليفة » . ولما وصلنا إلى مدخل القصر ، كان الخادم في انتظارنا . فقال الحاجب للخادم كل ما قلته له . وهرع الخادم إلى المعتصم وأخبره ، فقال له : « اذهب ، واحضره » . وأخذني الخادم إلى المعتصم ، فقال لي : « لما ذا رفعت الأذان في غير أوانه ؟ » . وسردت عليه قصة التركي مع المرأة من أولها إلى آخرها ، فلما سمعها طار صوابه ، وقال للخادم : « قل لحاجب الباب : امض الآن بمائة فارس إلى قصر الأمير فلان ، وقل له : الخليفة يستدعيك . وحين تقبض عليه ، أخرج المرأة التي كان ساقها أمس عنوة إلى قصره وخذها إلى بيتها « 20 » ، ثم ادع زوجها إلى الباب وقل له : إن المعتصم يقرؤك السلام ، ويتشفع لديك في أمر هذه المرأة ، ويقول : لم يكن لها أي ذنب فيما حدث ، فعليك أن تحسن معاملتها الآن أكثر من أي وقت مضى . ثم عد إليّ بالأمير بسرعة » . أما أنا ( الشيخ ) فقال لي : « ابق هنا قليلا » . ثمّ جيء بالأمير إلى المعتصم الذي ما إن وقعت عينه عليه حتى قال له : « يا كذا وكذا « 21 » ، ما الذي
هامش
( 19 ) العسس : ( بفتح العين والسين ) من عسّ يعس ، أي طاف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة . والعسس اسم منه . وقد يكون جمعا لعاس كحارس وحرس . ( اللسان : عسس ) وقد أثبتّ هذه الكلمة المهجورة لورودها في النص الفارسي . ( 20 ) آثرت أن أترجم هذه العبارة من نسخة إقبال ، وعدلت عما في نسختي « شعار » و « دارك » لما فيهما من تناقض . جاء فيهما : « . . . وخذها إلى بيتها ، ومعك هذا الشيخ - الخياط - ورجلان أو ثلاثة رجال آخرين . . . » . أما أنا - الشيخ - فقال لي : « لتبق هنا قليلا » . ( 21 ) كناية عن السباب والشتائم .