تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
حقك . أسند ظهرك إلى الحائط واسترح قليلا » . ثم قال لأحد الصبيين : « ضع الإبرة جانبا ، واذهب إلى سراى الأمير فلان ، واجلس في الحجرة الخاصة ، ثم قل لمن يدخل إليها أو يخرج منها أن يخبر الأمير بأن أجير الخياط فلان هنا ، وهو يحمل إليك خبرا » . فحين يطلبك وتراه ، سلم عليه ، وقل : « إن سيدي يسلم عليك ، ويقول : جاءني رجل يتظلّم منك ، ومعه سند بمبلغ سبعمائة دينار بإقرارك أنت وقد مضى على أجله عام ونصف . أريدك أن تعيد إليه الآن ماله كاملا ، دونما توان أو تقصير . ثم عد لي بجوابه حالا » . نهض الصبي ، ومضى مسرعا إلى قصر الأمير ، أما أنا فقد « 15 » تملكني العجب . لأنه ما من ملك يرسل حتى إلى أقل عبيده ما حمّل الخياط الصبي من كلام إلى الأمير . وإن هي إلّا مدة وعاد الصبي ، فقال لسيده : « لقد نفذت ما أمرتني به . قابلت الأمير ، ونقلت إليه ما كلفتني به . فنهض من مكانه ، وقال : أبلغ سيدك سلامي وشكري وقل له : إني منفذ ما أمرت به . الساعة أجيء ومعي الذهب الذي سأعطيه صاحبه بحضورك ، وأعتذر عن التأخر والتقصير » . ولم تكد تمر ساعة ، فإذا الأمير ، ومعه القائم على الركائب « 16 » وخادمان . فنزل عن فرسه ، ودخل الدكان وسلم ، وقبّل يد الخياط وجلس أمامه . ثم تناول صرة ذهب من الخادم ، وقال : « هذا هو الذهب ، حتى لا تظن أنني كنت أرغب في أكل أموال هذا الرجل الشهم بالباطل . لم أكن السبب فيما بدا من تقصير ، بل الوكلاء » . ثم اعتذر كثيرا ، وقال لأحد الخادمين : « اذهب ، وائت من هذه السوق بصرّاف معه ميزان » . فذهب الخادم ، وأحضر صرافا . ونقد الصراف الذهب ووزنه ، فكان خمسمائة دينار خليفتي . قال الأمير : « ليأخذ هذه الخمسمائة دينار مني اليوم ، وسأدعوه بعد عودتي من البلاط غدا ، وأعطيه المائتين الأخريين راجيا عفوه ، وطالبا رضاه . سأعمل ما يصل به إليك الثناء عليّ غدا قبل صلاة الظهر » . فقال الخياط : « ضع الخمسمائة دينار إلى جانب صاحبها ، ونفذ ما قلت ، ولا تتراجع عنه » . فقال : « هذا ما سأفعله » . ثم وضع الذهب بجانبي ، وقبّل يد الخياط ، ومضى لشأنه . أما أنا فلم أكن أدري ما الحال التي كنت فيها لعجبي وفرحتي . وما كان مني إلا أن مددت يدي وتناولت الميزان ، فوزنت مائة دينار ووضعتها أمام الخياط العجوز ، فقال : « ما هذا ؟ » . قلت : « لقد رضيت أن أسترد مالي ناقصا مائة دينار . لكنني سأسترد المبلغ كاملا ، نتيجة تدخلك وسعيك الحميد .
هامش
( 15 ) عدّ « دارك » التحول من الغائب إلى المتكلم شيئا غير متوقع هنا . ( التعليقات ص 335 ) . ( 16 ) ترجمة لكلمة « ركابدار » . وقد استعمل مترجما « تاريخ البيهقي » اللفظة كما هي فيما نصّا عليه في كشاف المصطلحات التاريخية بذيل الكتاب .