والحين وأتعامل معه . إنه يملك ستمائة دينار خليفتي . إن ترسل في طلبه شخصا يستدعيه ، وتحسن استقباله وتلاطفه ، وتدعوه إلى الطعام في أوانه ، ثم تطرح حديث المعاملة ، فلربما يخجل منك ، ولا يرد طلبتك احتراما لك » .
ففعل الأمير ، وأرسل إلى الرجل شخصا يقول له : « ألا تكلف نفسك عناء الحضور إليّ ، فإنني أريدك في أمر ضروري » . وذهب الرجل إلى قصر الأمير دون أن تكون له به معرفة سابقة ، فدخل عليه وسلم . فردّ عليه الأمير السلام ، والتفت نحو رجاله ، وقال : أهذا هو فلان ؟ قالوا : « بلى » . فقام الأمير في وجهه ، وأمر بإجلاسه في مكان لائق ، ثم قال : « أيها الخواجة « 10 » ، لقد سمعت من الناس كثيرا عن شهامتك ، وحسن سيرتك ، وأمانتك ، وتدينك ، فأعجبت بك دون أن أراك . يقولون إنه ليس ثمة أحد في سوق بغداد كله مثل هذا الخواجة مروءة وحسن معاملة » . ثم قال له أيضا : « فلم لا تعاشرنا إذا وتكلفنا بقضاء ما تحتاج إليه من أمر ، وتعدّ بيتنا بيتا لك ، وتصادقنا وتؤاخينا ؟ » . وكان الرجل يوحي بقبول كل ما كان يقول الأمير ، والوكيل يردد : « كذا ومائة كذا » .
مضى وقت ، فأحضر خوان « 11 » الطعام ، وأجلس الأمير الرجل بالقرب منه ، وجعل يتناول أشياء من الطعام ويضعها أمامه باستمرار ، ويلاطفه ويكرمه كثيرا . ولما رفع الطعام وغسل الحاضرون أيديهم وانصرفوا ، ولم يبق سوى الخاصة ، التفت الأمير نحو الرجل وقال : « اعلم أن لي في هذه المدينة أصدقاء كثيرين يستجيبون لي بمحض الإشارة . ولو أطلب إليهم خمسة أو عشرة آلاف دينار لقدموها إليّ حالا عن طيب خاطر ، لأنهم كانوا يفيدون كثيرا من التعامل معي ، وأنه لم يلحق بأحدهم أدنى ضرر نتيجة لذلك . إنني لآمل في أن تتوثق عرى الصداقة والود بيننا . على الرغم من كثرة الذين هم على استعداد لقرضي ، فإنني في حاجة إلى عشرة آلاف دينار ، أرجو أن تمدني بها ، على أن أعيدها إليك إبان الموسم بعد أربعة أو خمسة شهور ، ومعها خلعة . إنني لعلى ثقة من أنك تملك المبلغ ، بل أضعافه ، وأنك لن ترد طلبي » . فقال الرجل ، من فرط خجله وحسن استقبال الأمير له :
« الحق ما يقول الأمير . غير أنني من أصحاب الدكاكين التي تقدر بألف أو ألفين . وينبغي ألا يقال للعظماء سوى الحقيقة . إن كل ما أقدر عليه ستمائة دينار جمعتها بمشقة على مر الزمن ، وهي ما أبيع به
هامش
( 10 ) خواجة : لقب من أسمى الألقاب في ذلك الوقت . أطلقه السلطان محمود الغزنوي على أبي المظفر البرغشي الذي كان وزيرا للسامانيين والذي عرض عليه محمود نفسه الوزارة عدة مرات فأبي ( تاريخ البيهقي - الترجمة العربية - ص 801 ) .
( 11 ) الكلمة فارسية الأصل .