تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وأشتري في السوق الآن » . فقال الأمير : « في خزانتي كثير من الذهب الدرستي « 12 » ، لكنه لا يناسب الأمر الذي أريد . ما الفائدة التي تجنيها من بيعك وشرائك القليل هذا ؟ أعطني الستمائة دينار ، وخذ عليّ سندا بسبعمائة دينار بشهادة شهود عدول على أن أردها إليك في الموسم القادم ، ومعها خلعة جميلة » . وقال الوكيل : « إنك لا تعرف أميرنا إلى الآن . فليس في أركان الدولة من هو أصدق معاملة منه » . فقال الرجل : « الحق ما يقول الأمير . إن هذا القدر الذي أملك من الذهب لا يدعو إلى الرفض والتردد » . ثم أعطاه المبلغ وأخذ عليه سندا . وأزف الموعد . وبعد عشرة أيام ذهب الرجل للسلام على الأمير ، ولم ينبس ببنت شفة ، لأنه قال في نفسه : « سيعلم الأمير حين يراني أنني جئت أطلب ذهبي » . واستمر على هذا المنوال ، فانقضى على المدة شهران رأى الرجل الأمير أكثر من عشر مرات ، لكنه كان يتجاهل أن الرجل إنما كان يجيء في طلب ماله ، أو أن عليه هو أن يدفع إليه شيئا . لما رأى الرجل تجاهل الأمير . كتب رسالة سلّمها بيده إلى الأمير نفسه ، فقال : « إنني في حاجة إلى ذهبي الحقير . لقد مضى على الأجل شهران . ألا يتفضل الأمير بالإيعاز إلى الوكيل بردّه إلى هذا الخادم » . فقال الأمير : « إنك تظن أنني في غفلة من أمرك . لتهدأ بالا ، وتصبر بضعة أيام ، فإنني في صدد تهيئة مالك الذي سأرسله إليك في مغلف مختوم بيد أحد رجالي المعتمدين » . وصبر الرجل شهرين آخرين دون أن يرى للذهب أثرا . وعاود الكرّة ، فذهب إلى قصر الأمير ، وكتب إليه رسالة أخرى ، وكلّمه تكليما أيضا . فوعده الأمير مرات كذبا . وظل الرجل يذهب مرة كل يومين أو ثلاثة مطالبا ، لكن دون جدوى إلى أن مضى على الأجل ثمانية أشهر . لقد أعوز الرجل . فشفّع أهل المدينة ، ومضى إلى القاضي وناشده باسم الشرع . ولم يبق أحد من العظماء إلا وكلّم الأمير في أمره وتشفع له عنده ، لكن دون جدوى أيضا . وانقضت سنة ونصف ، وهو لا يطيع أوامر القضاء والشرع ، ولا يستمع لما كان يقول وجهاء المدينة وأكابرها . عجز الرجل ، ورضي بالتنازل عن الفائدة وعن مائة دينار من أصل المبلغ أيضا ، لكن لا حياة لمن تنادي . وفقد الأمل في وساطة كل العظماء ، وأعياه التردد هنا وهناك ، وأسلم أمره للّه عزّ وجلّ . ومضى إلى مسجد « فضلومند » « 13 » وصلّى عدة ركعات ، وشكا أمره إلى اللّه تعالى في بكاء ونشيج ،
هامش
( 12 ) هذا النوع من الذهب لم يكن رائجا . فقد كان من السكة العادية التي كثيرا ما كان يضربها السلاطين والأمراء للإنعام والهبات والعطايا . ( إقبال : حاشية 3 ص 59 ) . ( 13 ) لم يستطع أي من المحققين الثلاثة الذين اعتمدتهم في هذه الترجمة أن يحصل على معلومات عن هذا المسجد .