تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
لم يكن للقب « السلطان » وجود قبل عهد محمود ، فهو أول من تلقب به في الإسلام ، وصار سنّة بعده . لقد كان محمود عادلا يخاف اللّه ، وكان محبا للعلم ، شهما ، يقظا ، قويّ الرأي ، نقي الديانة ، وغازيا . إن أحسن العصور ذلك الذي يوجد فيه ملك عادل . جاء في الخبر أن النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) قال : « العدل عز الدين وقوة السلطان ، وفيه صلاح الخاصة والعامة » وقال اللّه تعالى :
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ
« 6 » ، وقال :
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
« 7 » . إن الملك الحق هو الذي يكون قلبه موئل العدل ، وقصره مأوى المتدينين والعقلاء . والذي يكون ندماؤه وعماله منصفين ومسلمين حقّا . قال فضيل بن عياض « 8 » : « إن يستجب دعائي ، فلا أدعو إلا للسلطان العادل . ففي صلاحه صلاح العباد ، وعمران البلاد » . وعن الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) أنه قال : « المقسطون للّه عزّ وجلّ في الدنيا على منابر اللؤلؤ يوم القيامة » . وكان الملوك ، يولون أمور المملكة للمتقين ، ولمن يخافون اللّه ممن ليست لهم مآرب خاصة ، طلبا للعدل وحرصا على مصالح العباد ، ولكي ينقلوا إليه حقيقة الأحوال في كل وقت . وهذا ما فعله أمير المؤمنين المعتصم ببغداد .

قصة أمير الترك وعقوبة المعتصم

لم يكن لأحد من خلفاء بني العباس ما كان للمعتصم من سياسة وهيبة وآلة وعدد ، ولم يملك أحد ما ملك من الغلمان الترك الذين يقال إن عددهم كان سبعين ألفا . ولقد رقّى كثيرين منهم ، فأوصلهم إلى الإمارة . وكان يردد دائما أن ليس ثمة من هم في مستوى الأتراك من حيث الخدمة . يقال إن أحد الأمراء استدعى إليه وكيله ، وقال له : « أتعرف أحدا من سكان بغداد وتجارها يقرضني خمسمائة دينار أنا في حاجة إليها ، على أن أردها إليه في الموسم ؟ . وتأمل الوكيل قليلا ، فتذكر أحد معارفه ممن يتعاطون البيع والشراء ، بربح قليل ، وكان لديه ستمائة دينار من الذهب الخليفتي « 9 » كان قد جمعها بمرور الزمن ، وقال للأمير : « إنني أعرف رجلا له دكان في سوق كذا . أتردد عليه بين الحين
هامش
( 6 ) الرحمن . آية 7 . ( 7 ) الشورى : آية 17 . ( 8 ) هو أبو علي فضيل بن عياض التميمي ( 105 - 187 ه ) . كان من أئمة الصالحين والمتدينين ورواة الحديث . كان الشافعي من تلاميذه ( عباس إقبال : حاشية 3 ص 7 ) . ( 9 ) يقول عباس إقبال : يظهر أن الذهب الخليفتي نوع من المسكوكات الذهبية المنسوبة إلى دار الخلافة ببغداد . كانت بينه وبين أنواع الذهب الأخرى اختلافات من حيث العيار ( حاشية 3 ص 58 ) .