تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
وتستغيث مطالبة الثمن ، غير أن أحدا لم يلتفت إليها . ومنذ مدة لم يرها أحد في هذه المدينة ، ولسنا ندري أين ذهبت ، أميتة هي أم حية » . وعاد الغلام ، ومضى إلى القصر . وجلس أنوشروان العادل للناس ، فمثل الغلام ، وقبّل الأرض بين يديه . فقال أنوشروان له : « قل ، كيف وجدت الأمور ؟ » . فقال الغلام : « يا مولاي إن المحاصيل جيدة السنة في كل أرجاء مملكتكم ، إذ لم تصب بأية آفة ، والمراعي مخضرة ، وأمكنة الصيد عامرة » . قال أنوشروان : « الحمد للّه . يا له من خبر سار » . ولما انفضّ المجلس ، وخلا القصر من غير أهله ، أمر أنوشروان باستدعاء الغلام ، ثم سأله عن الأحوال هناك فنقل إليه الغلام كلّ ما سمع . فثبت لأنوشروان أن كل ما قالته المرأة كان صحيحا ، ولم ينم يومه وليلته تلك لكثرة تفكيره وشدة أسفه . وفي صبيحة اليوم التالي الباكر استدعى حاجبه الكبير ، وقال له : « حين يبدأ العظماء بالحضور ، ويأتي فلان احجزه في الدهليز إلى أن أخبرك بما يجب عمله » . لما حضر العظماء والموبذون « 6 » إلى البلاط ، خرج أنوشروان وجلس إليهم ، ثم التفت نحوهم ، وقال : « إني سائلكم شيئا ، فأجيبوا بصدق عما تعرفون ولو حدسا وتخمينا » . قالوا : « سمعا وطاعة » . قال : « بم تقدرون ثروة فلان أمير أذربيجان ذهبا نقدا » . قالوا : في حدود مائتي ألف ألف دينار مكدسة لا حاجة له بها » ، قال : « ومن وسائل الجلوس والأثاث ؟ » . قالوا : « خمسمائة ألف دينار من الذهب والفضة » . قال : « ومن الجواهر ؟ » قالوا : « ستمائة ألف دينار » . قال : « ومن السجاد وأدوات الزينة » ؟ قالوا : « ثلاثمائة ألف دينار » . قال : « ومن الأملاك والمستغلات والضياع والعقار ؟ » قالوا : « ما من مدينة وناحية في خراسان والعراق وفارس « 7 » وأذربيجان إلا له فيها عشر أو سبع أو ثمان من القرى والأملاك والقصور ومنازل القوافل والحمامات والمطاحن » . قال : « ومن الخيل والبغال ؟ » . قالوا : « ثلاثون ألفا » . قال : « ومن الأغنام ؟ » . قالوا : « حوالي مائتي ألف » . قال : « ومن الجمال ؟ » . قالوا : « عشرون ألفا » . قال : « ومن الرقيق ؟ » . قالوا : « ألف وسبعمائة غلام تركي ورومي وحبشي ، وأربعمائة جارية حسناء » . قال : « فكيف يعتدي من عنده هذه النعم ، ومن يأكل عشرين ضربا من اللحوم والأطعمة والمقالي والشحوم والحلوى يوميا على آدمية مثله من عباد اللّه - عزّ وجلّ - المتقين ضعيفة لا حول لها ولا قوة ، وليس لها من حطام الدنيا سوى رغيفين جافين : أحدهما لنهارها ، والآخر لليلها ، ثم يأتي هو فيسلبها رغيفيها ظلما ويحرمها إياهما . فما جزاؤه ؟ » . قالوا جميعا : « إنه يستحق كل عقوبة ، وإن كل ما يتخذ من عقوبات في حقّه لقليل » .
هامش
( 6 ) الموبذ : لقب علماء الدين الزرادشتيين في عهد الساسانيين ، وكان رئيسهم يلقب بموبذ الموبذين . ( 7 ) فارس هي المحافظة الإيرانية التي مركزها مدينة شيراز الأثرية الآن .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 75 | خواجه نظام الملك الطوسي / يوسف بكار