قال أنوشروان : « أريدكم الآن أن تسلخوا جلده عن جسمه ، وتطعموا الكلاب لحمه ، وتحشوا جلده تبنا ، وتعلقوه على مدخل القصر ، وأن ينادى بالناس لمدة سبعة أيام بأن من يظلم أحدا ، بعد اليوم ، أو يأخذ منه حتى مخلاة تبن ، أو دجاجة ، أو قبضة كرّاث ظلما ، أو أن يؤم القصر متظلم ، فسيكون مصير المعتدي والظالم مصير هذا الرجل » . ونفذ ما أمر به .
ثم قال أنوشروان لذلك الفرّاش : « أحضر المرأة العجوز » . ولما جيء بها ، قال أنوشروان لعلية القوم وكبار دولته : « هذه هي المظلومة ، وذلك هو الظالم الذي لقي جزاءه » . ثم قال للغلام الذي كان قد أرسل إلى أذربيجان : « يا غلام ، لم أرسلتك إلى أذربيجان ؟ - وكان حاضرا في المجلس - قال : « لأتقصّى أحوال هذه العجوز وأتبيّن ما نزل بها من ظلم ، وأعود إلى مولاي بحقيقة الأمر » . فقال أنوشروان للحاضرين :
« لتعلموا أنني لم أجازه جزافا ، وأنني لن أكلم الظّالمين بعد اليوم بغير السيف ، وسأحمي الشاة والحمل من الذئاب ، وأضرب على الأيدي الباغية المتطاولة ، وأخلص الأرض من المفسدين وأملؤها حقا وعدلا وأمنا ، فمن أجل هذا خلقت . لو أتيح للناس أن يفعلوا ما يشاءون لما أظهر اللّه ، عزّ وجلّ ، الملوك من بينهم ووكل إليهم أمرهم . إيّاكم أن تفعلوا ما تستحقون عليه ما لقيه هذا الظالم الذي لا يخشى اللّه » .
فهاب كل من كان في المجلس وتلاشت جرأته بإزاء هيبة أنوشروان وعقابه الصارم .
وقال أنوشروان للمرأة : « لقد جازيت من ظلمك ، ووهبتك القصر والبستان اللّذين في أرضك ، وأمرت لك بمواش ونفقة لتعودي بعهدتي سالمة إلى مدينتك وأرضك ثانية ، وتذكريني بدعاء الخير » .
ثم قال : « لما ذا يفتح باب قصرنا للظالمين ويوصد في وجه المظلومين ؟ فالجيش والرعية كلاهما عمالنا وتحت إمرتنا ، بل الرعية هي التي تعطي ، والجيش هو الذي يأخذ . فمن الأولى أن تفتح الأبواب في وجه المعطين أكثر من الآخذين . إن من أمثلة ممارستهم الباطل ، وارتكابهم الظلم ، وعبثهم بالقوانين وعدم الاكتراث بها ، أنه إذا ما جاء القصر متظلم حالوا بينه وبين الدخول إليّ للإدلاء بأمره بنفسه .
فلو وجدت هذه المرأة طريقها إليّ لما كانت في حاجة إلى الذهاب إلى المصطاد . ثم أمر بإقامة سلسلة تعلق فيها أجراس تصل إليها حتى يد الطفل ابن سبع سنوات ، لئلا تكون لأي متظلم يؤم القصر ثمة حاجة للحاجب . فما إن تهتز السلسلة وتقرع الأجراس ، فيسمع أنوشروان صوتها ، يستدعي الطارق المتظلم ليسمع منه وينصفه . ونفذ هذا الأمر أيضا .
ولما خرج كبار رجال الدولة من عنده وعادوا إلى منازلهم وقصورهم ، استدعوا وكلاءهم وفرسانهم ومن هم تحت إمرتهم في الحال ، وقالوا لهم : « لتنظروا في كل من سلبتموه شيئا دون حق ، أو عذبتموه ، أو آذيتموه في صحو أو سكر في العشر السنوات الأخيرة . علينا جميعا نحن وأنتم أن نهتم بالأمر ونرضي الخصوم كلهم قبل أن يذهبوا إلى القصر يتظلّمون منا » .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 76
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص٧٦