والصيد ، وتصرخ في وجهه حين يقترب مطالبة بثمن الأرض ، فكان يمر عنها دون أن يجيب بشيء .
وإذا ما طلبت إلى خاصته وندمائه وحجّابه أن ينقلوا إليه طلبها ، قالوا : « نعم ، سنقول » ، لكن أحدا لم يكن يقول شيئا . ومضت على هذا الموضوع سنتان .
وأملقت العجوز ولم تجد من ينصفها ، ونفضت يدها منه وقالت في نفسها : « إنني أضرب في حديد بارد : ما من يد إلّا وجعل اللّه يدا فوقها ، وأخيرا أمام جبروت خادم أنوشروان العادل وعبده ! الحل أن أتحمل مشاق السفر وأذهب إلى المدائن وأدخل إلى أنوشروان وأعلمه حقيقة حالي ، فقد أجد عنده إنصافا » . ودون أن تخبر أحدا ، مضت فجأة من أذربيجان إلى المدائن متحملة المشقة والتعب .
فلما رأت قصر أنوشروان قالت في نفسها : « من ذا الذي يتيح لي الدخول إلى هنا ؟ ! إنه لم يكن يسمح لي بدخول « سراى » والي أذربيجان ، وهو خادم الملك ، فكيف يمكن أن يسمح لي بالدخول إلى قصر الملك نفسه والمثول بين يديه وهو سيّد الدنيا بأسرها ؟ ! ! إنّ من الأفضل أن آوي إلى مكان قريب هنا ، وأكتم أمري فربما أستطيع أن أظفر بلقاء الملك ، وهو خارج ، وأقصّ عليه قصتي » .
حدث أن جاء القائد الّذي سلبها أرضها إلى القصر ، وعزم أنوشروان على الخروج للصيد . ولقفت العجوز خبر خروج الملك للصيد إلى المكان الفلاني في يوم كذا . فمضت وأخذت تسأل هنا وهناك إلى أن وصلت إلى ذلك المكان بمشقة وجهد ، وألقت بنفسها خلف دمنة هناك ونامت ليلتها تلك .
في اليوم التالي ، وصل أنوشروان . وتفرق من كان معه من كبار القادة في طلب الصيد ، وبقي هو يتجول في المكان ، ومعه أحد الموكلين بالسلاح « 3 » فقط . اغتنمت العجوز الفرصة ، ونهضت من مكمنها ، وأسرعت نحو الملك وأخرجت « شكواها » ، وهي تقول : « أيها الملك إن تكن مالك الدّنيا فأنصف هذه العجوز الضّعيفة ، واقرأ شكواها وتعرّف على حالها » .
لما رأى أنوشروان العجوز وسمع ما تقول أيقن أنها لم تأت إلى هنا لو لم تكن ثمة ضرورة قصوى ، فاتجه بفرسه نحوها ، وأخذ « شكواها » وقرأها ، واستمع إلى حديثها ، فترقرقت الدموع في عينيه ، وقال لها : « ليهدأ بالك ، فقد كان الموضوع يخصك وحدك ، أما وقد علمناه الآن فهو منوط بنا نحن وعلينا عبئه . سأوصلك إلى بغيتك وحقك أولا ، ثم أرسلك بعد ذلك إلى مدينتك . لتستريحي عندنا أياما ، فقد قطعت طريقا طويلة » . ثم تلفّت حواليه ، فرأى أحد فرّاشيه آتيا على بغله الموكبي « 4 » ، فقال له :
هامش
( 3 ) الموكل بالسلاح ترجمة للاصطلاح الفارسي التاريخي « سلاحدار » وقد تابعت في ترجمته الأستاذين يحيى الخشاب وصادق نشأت في ترجمتهما لتاريخ البيهقي .
( 4 ) البغال الموكبية ، هي البغال التي كانت تعد خصيصا لتكون في جملة ما في موكب السلطان وركبه ( شعار 411 ) .