الكلب قبل أن أتناول الطعام لأكون على بيّنة منه » . فقال الشاب : « كان هذا الكلب أميني على غنمي ، وكنت أعلم أنه يستطيع لقدرته أن يطاول عشرة رجال ويتغلب عليهم ، وأن أي ذئب لم يكن يجرؤ أن يحوم حول القطيع خوفا منه ، حتى إنني كنت أذهب إلى المدينة مرات عدّة في شغل لي وأعود في اليوم التالي ، وكان هو يرعى الغنم ويعود بها سالمة . ومضت على هذه الحال مدة فلما عددت الغنم يوما وجدتها ناقصة ، ثم تبين لي أن عددها أخذ يتناقص تدريجيا كل عدة أيام ، ولم أستطع أن أفهم علة هذا في حين أنه لا وجود للصوص هنا . لقد وصلت الحال بالقطيع في تناقصه إلى حد أن عامل الضرائب جاءني وأراد - مثلما هي العادة - ضرائب القطيع كله ، فدفعت كل ما تبقى منه ضرائب ، والآن أنا راع لذلك العامل . ما حدث أن الكلب صادق ذئبة ثم تزوجها وكنت في غفلة من أمره .
ذات يوم خرجت للاحتطاب ، وسلكت في عودتي طريقا خلف مرتفع كان يطلّ على القطيع ، فرأيته يرعى ، وإذا بذئبة تعدو نحوه . حينئذ اختفيت خلف أجمة شوك ، فلما رأى الكلب الذئبة هرع إليها وهز ذنبه ، فوقفت في هدوء ، ووثب على ظهرها ، وقضى منها وطره ثم انتحى جانبا ونام ، في حين راحت هي تصول وتجول في الغنم ، فقبضت على شاة وافترستها دون أن ينبح الكلب أو يبدي حراكا . لما رأيت موقفه من الذئبة أدركت أن مصدر بلائي لم يكن سوى تواطؤ الكلب وانحرافه ، فقبضت عليه وعلّقته بخيانته .
عجب بهرام جور لهذا الحديث ، وقطع طريق عودته يفكر في الأمر ، فانتهى به تفكيره إلى أن :
« رعيتنا هي قطيعنا ووزيرنا هو أميننا ! إنني لأرى أمور المملكة في اضطراب وأحوال الرعية في اختلال ، وإنني كلما أسأل أحدا لا يصدقني القول ، ويخفي الحقيقة عني . الحل أن أحقّق في أحوال الرعية وراست روشن » .
لما عاد إلى مقرّه ، كان أول ما فعله أن طلب لوائح المسجونين اليومية ، فكانت كلها من فجائع راست روشن وجرائمه . فأيقن آنذاك أن الرجل لم يسس الناس بالحق ، بل سامهم ظلما وخسفا ، ثم قال :
« هو ليس « راست روشن » « 1 » ! إنه كذب وظلمة ، وقال مستشهدا بأحد الأمثال : الحق ما قالت الحكماء من أن « الجوع مصير كل من تخدعه شهرته ، ويركب غروره بها ، والعدم مصير كل من يخون الخبز الذي يأكله مع الآخرين » . أنا الذي شددت أزر هذا الوزير كي يراه الناس بهذا الجاه والعظمة ، لكنهم لا يجرءون الآن على أن يفضوا إليّ بما في نفوسهم خوفا منه . لا بدّ لي من أن أقبض عليه حين
هامش
( 1 ) معنى كلمة « راست » الفارسية : صحيح ، و « روشن » : منير ، مضيء .