تنصحوه كي ما يظل الدين والملك ثابتين على ما هما عليه » . ومضى إلى بلخ ، ووصلت الرّسالتان .
لقد كان القاضي أبو أحمد وأئمّة بخارى على علم بهذه الحال ، لكنهم لم يجرءوا على قول أي شيء في الموضوع آنذاك ، لأن أغلب خاصة الأمير كانوا من هذه الفرقة . وقالوا : « ربما لا يصغي الأمير إلى أقوالنا فيهم ، فيتحولون ، ولكل منهم ولايته وجيشه ونعمه وحشمته ، إلى خصوم لنا » . غير أن القاضي أبا أحمد ، ذهب مع صلاة العصر هذه المرة إلى قصر الأمير والتمس الاختلاء به ، فاستدعاه الأمير وجلس إليه وحيدا . فقال القاضي : « النّصح والإرشاد من واجب العلماء . لقد كان أبوك الأمير الحميد نوح ، رحمه اللّه ، يجالس العلماء دائما ، ولم يقم بأي عمل دون أن يتدبره معهم . لا جرم أنّه استقام به ما كان قد اعوجّ من الأمور . أما أنت ، فلأنك لا تجالس أهل العلم إلا قليلا ، فقد اعوجّ على عهدك ما قوّمه هو » . وعرض عليه رسالة ألبتكين ، ورسالة أخرى موقّعة من الأئمة في هذا المعنى ، ليعلم الأمير أنه - أي القاضي - لا يقول هذا الكلام من تلقاء نفسه . ثم نصحه هو أيضا ، وحدّثه في أشياء أيقظه بها من سباته . وفي اليوم التالي ، وصل خبر خروج المبيضة بفرغانة ، وأنهم يقتلون من يجدون من المسلمين . وفي اليوم التالي له ، وصل من خراسان خبر إعلان القرامطة مذهب السبعية في طالقان وسفوحها ، وأنهم كانوا يعيثون فيها فسادا وقتلا . فما كان من الأمير السديد منصور إلا أن عرض الوزارة على القاضي أبي أحمد ، لكنه أبى ذلك ، وقال : « إن أتربع على الوزارة ، فأنّى للأمير اليوم من يمحضه النصح والإرشاد خالصا لوجه اللّه ؟ ، ثم إن ذوي المآرب والأطماع الخاصة سيقولون : إن القاضي لم يفعل ذلك إلا طمعا بالوزارة ، لا حبا في الدين والأمير » . فراق منصور هذا ، وقال : « كيف السّبيل إذا إلى الوزير الذي نريد ؟ » . قال القاضي : « إنّ للأمير وزيرا مسلما كفؤا وابن وزير ، وأهلا للوزارة أيضا » . قال منصور : « أين ؟ » . قال القاضي : « سجين في قهندز » . فأمر منصور بإحضار أبي علي البلعمي وبكتوزون من السجن . وسيّر إليهما في اليوم نفسه من أتى بهما فأعيدا إلى عمليهما السابقين بأتمّ آيات الاحترام والإعزاز والقوة .
في اليوم التالي ، اختلى الأمير والوزير والقاضي وبكتوزون ، فأعلم الأمير بالأحوال من قريب ومن بعيد ، واتفقوا على التخلّص أولا من مقنعي فرغانة والصغد « 67 » الذين كانوا يعرفون بالمبيّضة ، ومن قرامطة الطالقان ، ثم التفرّغ إلى أبي منصور عبد الرّزاق ، وأخيرا إلى الخاصة ومتصدّي سدنة القصر .
هامش
( 67 ) الصغد : هو الإقليم الذي كان يشمل الأراضي الخصبة بين نهري جيحون وسيحون . وقيل إنه كان اسما للرساتيق المحيطة بسمرقند ، لأن كلا من بخارى وكش ونسف كانت كورة بذاتها . كان الصغد يعد إحدى جنان الدنيا الأربع ، وقد بلغ أوج ازدهاره في النصف الأخير من المائة الثالثة في أيام الأمراء السامانيين . ( بلدان الخلافة الشرقية 503 ) .