هذا القدر الذي ذكرت في الموضوع كاف ، وسيتجلى بوضوح في موارد كثيرة أخرى ، فيعرف حينئذ أن السداد والنفع فيما قلت .
في المرءوسين
خلق اللّه ، عزّ وجلّ ، الملك لتكون له القدرة والرفعة والعظمة على سائر الناس ، ويكون الخلق تحت إمرته ورعايته ، يؤمّن لهم سبل عيشهم ، ويقودهم إلى ما فيه رفعتهم وعظمتهم . على الملك أن يصرف الخلق ويجعلهم في وضع يعرفون فيه حدود أنفسهم وأقدارهم دائما ، فلا يمكنهم من إلقاء حلق الانقياد من آذانهم ، وشق عصا الطاعة . وعليه أن يبصرهم بعيوبهم ومحاسنهم بين الحين والحين ، لئلا يذهلوا من أنفسهم ، وألا يطيل لهم القياد يفعلون ما يشاءون . يجب أن يعرف قدر كل منهم ومكانته ، وأن يكون على دراية بأحواله والتثبّت منها باستمرار ، لكي لا تزل عن صراط الطاعة أقدامهم ، وكي يؤدّوا ما يؤمرون به حسب .
مثال هذا ما قال بزرجمهر بن البختكان « 20 » لأنوشروان العادل يوما : « إن الولاية للملك ، والملك هو الذي يضع زمام أمور الولاية بيد الجيش لا بيد الرعية . غير أنه لا حبّ للولاية في نفوس الجيش وليس لهم شفقة على أهلها أو رحمة ، لا همّ لهم سوى جمع الأموال وكنزها ، غير مبالين بدمار الولاية وفقر ناسها وإملاقهم . حين يكون للجيش القدرة على أن يعيث في البلاد فيعذب ويقتل ويكبل ويسجن ويغصب ويجبي ويعزل ويولي من يشاء ، فأي فرق يبقى ثمة بين الملك وبينهم ؟ إن زمام كل هذه الأمور لم يكن إلّا بيد الملوك لا بيد الجيش ، فهم لم يقبلوا قط أن تكون للجيش مثل هذه السلطة والقدرة . إن تيجان الذهب ، وركائب الذهب ، والسرر ، وضرب السكة لم تكن لغير الملوك في كل الأعصار » . ثم قال : « إذا ما أراد الملك أن يفاخر الملوك ، ويكون له الفضل عليهم أجمعين ، فليهذّب أخلاقه ويصقلها » . قال أنوشروان : « أنّى لي ذلك ؟ » ، فقال بزرجمهر : « خلّص نفسك من الخصال السيئة ، وتمسّك بالحسنة واعمل بها » . قال أنوشروان : « وما الخصال السّيئة ؟ » ، قال بزرجمهر :
« الخصال السيئة هي : الحقد ، والحسد ، والتكبر ، والغضب ، والشّهوة ، والحرص ، وطول الأمل وبعده ، واللجاجة ، والكذب ، والبخل ، والخلق السيئ ، والظلم ، والأنانية ، والتّسرع ، وكفران النّعمة والعقوق ، والخفة والطيش . أما الخصال الحميدة فهي : الحياء ، وحسن الخلق ، والحلم والعفو ،
هامش
( 20 ) بزرجمهر معرب بزرگمهر . يقال إنه كان وزير أنوشروان العادل . ينسب إليه كتاب « پندنامه بزرگمهر بختكان » ، « كتاب نصيحة بزرجمهر بن البختكان » باللغة الپهلوية . ( فرهنگ فارسي ) .