وذات يوم ، نظرت المرأة إلى نفسها في المرآة ورأت ما هي عليه من جمال تام ، وراحت تسرّح النظر في تصوير وجهها وشعرها وشفتيها وأسنانها وعينيها وحاجبيها ، فانتابها عجب وكبرياء ، فطغت عليها نوبة من غرور ، وقالت : « أنّى بمثلي اليوم في العالم كله ، ومن ذا الذي له ما لي من حسن وجمال ؟ ما ذا ينقصني حتى أكون لهذا الرجل الذي لا يأكل سوى خبز الشعير - حتى هذا الخبز لا يشبع منه شبعا كاملا - ، والذي لا يلوي من نعم الدنيا على شيء ، بل يقضي العمر في شغف وضنك ؟ ! إنني بملوك الأرض وأكاسرتها « 19 » أليق ، فهم سيأخذونني مزينة بالذّهب ، إذا ما رأوني !
ودبّ الهوس في نفس المرأة ، وأخذت تعلب برأسها التمنيات ، فشرعت في العناد والعصيان واللّجاجة ، والمشاجرة والنزاع ، وسقط الكلام ، وبذيئه وسوء التصرف ، وجعلت تردد على مسامع زوجها في كل آن : « أنّى لي أن أكون لك وأنت لا تجد ما يشبعك من خبز الشّعير ؟ ! » .
لقد كان لها من يوسف ثلاثة أو أربعة أطفال ، عزفت عن الاعتناء بهم وانصرفت عن غسلهم وإطعامهم وتنويمهم . ووصل عدم التوافق والتفاهم بينهما حدا خيّم فيه الضّجر والملل على يوسف ، وأضحى حيران عاجزا جدا لا حول له ولا قوة . لكنه اتجه صوب السّماء ، وقال : « يا رب ، صيّر هذه المرأة دبة » . فاستجاب اللّه سبحانه وتعالى له ، وصيّرها دبة في الحال نكالا بها . ولم يعد لها من شغل يومي - والماء يسيل من عينيها - سوى الطواف حول البيت ، وعدم الابتعاد عنه . أما يوسف ، فقد أضنته تربية الأطفال الصغار والعناية بهم ، وغسلهم وإطعامهم وتنويمهم ، وتخلف في طاعة اللّه عزّ وجلّ ، وعبادته إياه فلم يعد يؤدي حتى الصلاة في أوقاتها . وأعيته الحيلة والعجز فاتجه إلى السّماء مضطرا ، ورفع يديه ، وقال : « يا ربّ ، أعد هذه الدبة امرأة كما كانت ، وألهمها الهداية بأن تعتني بتربية هؤلاء الأطفال الصّغار ، وتهتم بهم كما كانت عليه من قبل ، كي يتسنى لي أن أتفرغ لعبادتك ربي الكريم من جديد » . وفي الحال ، أعيدت الدبة امرأة كما كانت ، فانصرفت إلى الاهتمام بأطفالها ، والاعتناء بهم ، ولم تتذكر هذه الحال قط وخيّل إليها أن ما حدث لم يكن سوى رؤيا رأتها في منامها .
أما عبادة يوسف أربعين سنة فذهبت هباء منثورا ، وحبطت بهوى المرأة وتدبيرها . وغدت هذه الحكاية مثلا في العالم ، لئلا يطيع أحد أمرا لامرأة بعد .
( رأي للمأمون في الموضوع )
قال الخليفة المأمون يوما : « لا كان ملكا ، من يأذن للنساء في أن تتحدث معه في شؤون المملكة
هامش
( 19 ) أكاسرة : جمع كسرى ، معرّب « خسرو » .