فوضعهما أمام عضد الدولة الذي استغرق في الضحك ، وقال : « الحمد للّه أنك توصلت إلى حقك ، وأن خيانة القاضي قد ثبتت . أتدري ما التدابير التي اتخذناها والسبل التي اتبعناها حتى توصلت إلى ذهبك ؟ » . وتساءل الحاضرون عن الأمر . فسرد عضد الدولة عليهم حكاية الشاب والسّبل التي سلكها هو في ذلك ، فتملكهم العجب جميعا . ثم أمر عضد الدولة حاجبه الأكبر أن « اذهب وجئني بقاضي المدينة حاسر الرأس ، وعمامته ملفوفة حول عنقه » . ولما أحضر القاضي إلى عضد الدولة بهذه الهيئة ، ونظر فرأى الشاب واقفا ثمّة ، ورأى الإبريقين أمام عضد الدولة ، قال : « وا حسرتاه ! لقد قضي عليّ » . وأدرك أن كلّ ما قاله له عضد الدولة وأظهره عليه لم يكن إلا لأجل هذين الإبريقين . وقال له عضد الدولة : « إن ترتكب أنت خيانة وتضيّع الأمانة ، وأنت رجل مسنّ وعالم وقاض ، فكيف بالآخرين إذا ؟ . لقد بان الآن أن كلّ ما تملك وما أنشأت ليس إلا من أموال المسلمين والرشوة . إنني مجازيك بما تستحق في الدنيا ، لكن اللّه هو الذي يعاقبك في الآخرة ؛ وإنني أهبك حياتك لسنك وعلمك ، أما أموالك وأملاكك فللخزينة كلّها » . وصادر ما كان لديه من أموال وممتلكات ، ولم يولّه القضاء أو أي عمل آخر بعد ذلك . ثم أعطى الشاب إبريقي ذهبه كما هما .
السلطان محمود والقاضي الخائن
ووقع للسلطان محمود مثل هذا . فقد ناوله رجل في الطريق شكوى فيها : « وضعت عند قاضي المدينة ألفي دينار في كيس ديباج « 8 » أخضر مربوطا بإحكام ومختوما وديعة ، وذهبت في سفر . غير أن اللصوص على طريق الهند سلبوني كل ما كنت حملت معي . فعدت واستعدت من القاضي وديعتي ، لكنني لما وصلت إلى البيت وفتحت الكيس فإذا الذي فيه دنانير نحاسية . فرجعت إلى القاضي ، وقلت له : « لقد أودعتك كيسا مليئا بالذهب ، لكن ما فيه الآن نحاس ، فأنّى يكون هذا ؟ ! قال :
أأريتني الذهب أو وزنته أو عددته لمّا أودعتنيه ؟ لقد أودعتني كيسا مربوطا بإحكام ومختوما ، وهكذا استعدته . حينذاك سألتك : « أهذا هو كيسك والختم ختمك ؟ » ، قلت : « هو عينه ، وأخذته وانصرفت بالسلامة ، والآن تأتي بهذا الزعم الباطل ! » ، اللّه اللّه أيها الملك العادل ، أغثني ، فإنني لا أقدر على رغيف خبز واحد » .
تألّم السلطان محمود لحاله ، وقال : « لتهدأ بالا فسأتولى أمرك بنفسي . اذهب وأحضر الكيس » .
فذهب الرجل وأحضره إلى محمود فقلبه وعاينه بدقة من كل أطرافه لكنه لم يهتد إلى ما يوحي بفتحه .
هامش
( 8 ) ديباج : معرب ديبا .