في منتصف الليلة التالية ، ذهب عضد الدولة إلى منزل القاضي ، فرأى السرداب واستحسنه ، ثم قال له : « يجب أن تأتي إليّ يوم الثلاثاء لترى ما أعددت من المال » . فقال « سمعا وطاعة » . ولما عاد من منزل القاضي ، أمر الموكل بالخزينة أن يضع مائة وأربعين إبريقا مملوءة ذهبا في إحدى الغرف ، وأن يضيف إليها ثلاث قوارير مملوءة لؤلؤا ، وكأسا ذهبية مملوءة ياقوتا ، وثانية من لعل ، وأخرى من فيروز .
لما فرغ الموكل بالخزينة من ذلك ، وصل صاحب إبريقي الذهب يوم السبت . استدعى عضد الدولة القاضي ، وأمسك بيده وأخذه إلى الغرفة التي وضع فيها المال . بهت القاضي لما رأى الأموال والجواهر ، وهاله ذلك . فقال له عضد الدولة : « ترقّب وصول كل هذه الأموال في منتصف إحدى الليالي » . ثم تركا الغرفة ، وعاد القاضي وفؤاده يخفق فرحا .
في اليوم التالي ، قال عضد الدولة لصاحب الذهب : « أريدك أن تذهب الآن إلى القاضي ، وتقول له :
لقد صبرت مدة وراعيت لك حرمتك . لن أحتمل أكثر من هذا ، فأهل المدينة كلهم يعرفونني ويعرفون ما كان لوالدي من مال ونعمة ، وهم يشهدون على قولي ويصدقونه في كل مكان . إن تردّ لي مالي فبها ونعمت ، وإلا أذهب الآن إلى عضد الدولة شاكيا متظلما ، وأجر عليك الخزي والعار لتكون فيك للناس عبرة . ثم انتظر جوابه ، فإذا أعاد إليك ذهبك أحضره إليّ كما هو ، وإلا أخبرني بما جرى » .
ذهب الشاب إلى القاضي ، وجلس بالقرب منه وقال له ما أمره به عضد الدولة . ففكر القاضي في نفسه أنه « إذا ما شنع هذا الرجل عليّ ، وذهب إلى عضد الدولة فسيرتاب في أمري ولا يرسل تلك الأموال إلى بيتي . من الأصوب أن أعيد للرجل ماله ، لأن مائة وخمسين إبريقا مملوءة ذهبا ، وعددا من الجواهر أحسن ، على أية حال ، في نهاية الأمر من إبريقي ذهب اثنين » . وقال للشاب : « اصبر قليلا ، فقد كنت أبحث عنك في شتى أرجاء الدنيا » . بعد قليل ، نهض القاضي ودخل حجرة ثم نادى على الشاب ووقف إلى جانبه ، وقال : « أنت صديقي وابن صديقي ، وأنت مني بمنزلة ابني . ما فعلت ذلك معك إلا احتياطا ، ومنذ ذلك الوقت وأنا في طلبك . الحمد للّه أنني رأيتك ثانية ، لأتخلص من عبء أمانتك . فذهبك ما زال - كما هو - في مكانه » . ونهض القاضي فأحضر الإبريقين ، وقال : « أهذا ذهبك ؟ » قال الشاب : « أجل » . قال : « اذهب الآن إلى أي مكان تشاء » . فخرج الشاب وأتى بحمّالين إلى منزل القاضي ، وحمّلهما الإبريقين ومضى بهما إلى قصر عضد الدولة .
وكان عضد الدولة في مجلس فيه جميع كبار الدولة لما دخل الرجل عليه بالإبريقين وسلّم .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 118
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١١٨