« أريدك أن تحضره إليّ حالا . قل له : إن السلطان يريدك ، وكي لا تذهب به الظنون كل مذهب ، قل له : إنهم يريدونك في القصر لأمر بسيط ، فتفضل . وحين يصل أدخله عليّ » .
مضى الفرّاش مسرعا ، وأحضر الرفاء بين يدي محمود . فخاف لما رأى السلطان جالسا وحده . لما وقعت عين محمود عليه ، قال : « تقدّم يا هذا » ، ثم قال له : « أأنت الذي رفوت الغطاء ؟ » قال : « أجل » . قال السلطان : « لقد أتقنته جيدا » ، قال : « بحقك يا مولاي ، إنني قد أتقنته جيدا » . قال محمود : « أيوجد في المدينة أمهر منك ؟ » ، قال : « لا » . قال السلطان : « أتصدقني القول إن سألتك شيئا ؟ » . قال : « ليس ثمة شيء أجدى من الصدق مع الملوك » . قال السلطان : « هل رفوت في بيت أحد الأثرياء كيس ديباج أخضر في الست أو السبع السنوات الأخيرة ؟ » قال : « أجل » . قال السلطان : « أين ؟ » . قال : « في بيت قاضي المدينة ، وقد أعطاني دينارين أجرا » . قال السلطان : « أتعرف الكيس الذي رفوته إن تره ؟ » . قال :
« أجل » . ومدّ السلطان يده تحت المفرش ، فتناول الكيس وأعطاه الرفاء ، وقال : « أهذا هو ذلك الكيس ؟ » . قال : « هو نفسه » . فقال السلطان : « أين المكان الذي رفوته فيه . أرنيه » . ووضع الرفاء إصبعه عليه . فعجب السلطان لمهارته في دقة رفوه ، وقال : « أتشهد على القاضي إن دعت الحاجة لذلك ؟ » .
قال : « ولم لا ؟ » . فأرسل محمود إلى القاضي رسولا يستدعيه ، وقال لآخر : « ادع لي صاحب الكيس » .
حين حضر القاضي ، سلم وجلس كالعادة . فالتفت محمود نحوه ، وقال : « أنت رجل عالم وعجوز ، عهدت إليك بالقضاء ، ووليتك أموال المسلمين ودماءهم واعتمدت عليك ، في حين أن في هذه المدينة خاصة ، ومملكتي عامة ألفي رجل عاطلين - وهم أعلم منك - أفصحيح أن تخون الأمانة وتأكل كلّ مال امرئ مسلم ظلما وعدوانا ، وتتركه محروما لا يلوي على شيء ؟ » . قال القاضي : « يا مولاي ، ما هذا الكلام ، ومن ذا الذي يقوله ؟ إنني لم أفعل من ذلك شيئا » . فقال محمود : « أيها المنافق الكلب ، أنت فعلت ذلك ، وأنا الذي أقول هذا » . وأراه الكيس ، وقال : « هذا هو الكيس الذي فتحته وأخرجت الذهب منه وبدّلت النحاس به ثم أمرت برفوه . ثمّ قلت لصاحبه : لقد أحضرته مربوطا مختوما وهكذا استعدته . أوزنت عليّ شيئا أو أريتنيه ؟ . أهذه هي سيرتك ومسلكك في أمور الدين ؟ ! » . قال القاضي : « إنني لم أر هذا الكيس قط ، ولا علم لي بما تقول » . فقال محمود : « إليّ بالرجلين » . فذهب أحد الخدم ، وأحضر صاحب الكيس والرفاء وأدخلهما على محمود ، فقال : « يا كذاب ، هذا صاحب الذهب ، وهذا الذي رفى الكيس من هنا » . فخجل القاضي ، واصفرّ وجهه ، وأخذ يرتجف خوفا ، ولم يستطع التفوه بشيء . فقال محمود : « خذوه وتولوا أمره . وأريده أن يعيد للرجل ذهبه الآن ، وإلا أمرت بضرب عنقه ، وسآمر بعد ذلك بما يجب فعله » . فأخرج القاضي من
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 121
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١٢١