تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
بعد مضيّ شهرين على الأمر ، أرسل عضد الدولة في ظهيرة أحد الأيام وقت القيلولة إلى القاضي من يستدعيه ، فاختلى به ، وقال : « أيها القاضي ، أتدري لما ذا جشّمتك عناء المجيء ؟ » . قال : « الملك أدرى » . قال عضد الدولة : « اعلم أنني في تفكير دائم بالعاقبة والمصير . ولقد حرمت في هذا التفكير وهذه السوداوية نعمة النوم . لا معوّل على الدنيا ومملكتها ، ولا اعتماد على الحياة . فالعاقبة لن تعدو أمرين : فإما أن ينقضّ علينا طالب ملك وينتزع المملكة منا مثلما انتزعناها نحن من أيدي الآخرين - وتأمّل ما قاسيته حتى استطعت الوصول إلى الملك مرة واحدة - ، وإما أن يجيء الأجل بغتة فيفرق بيننا وبين الملك والسلطان قبل أن تتحقق آمالنا . إن كل نفس ذائقة الموت ، وما العمر إلا صحيفة أعمالنا : فإن نكن صالحين نحسن إلى عباد اللّه ، يظل الناس يذكروننا بالخير ويكيلون لنا الثناء ما بقيت الدنيا ، وننال ثواب الآخرة وإلى الجنة ونعم المصير . وإن نكن أشرارا نسيء إلى العباد يظلّون يذكروننا بالشر إلى يوم القيامة ، وأنهم كلما ذكرونا يلعنوننا ويدعون علينا ، ولن نجد يوم القيامة غير الويل والعذاب ، وإلى جهنم وبئس المصير . إن كل ما يمكن فعله أن نجهد في الطاعة ، وإنصاف الخلق والإحسان إليهم . ما أقصده من حديثي إليك ، هو أن في قصري عددا من الأطفال والنساء خاصة ، وأمر الذكور أيسر ، لأنهم كالطيور يستطيعون الانتقال من إقليم إلى آخر . إن خطب هؤلاء المخدّرات أسوأ ، فهن ضعيفات لا حول لهن ولا قوة . إنني لقادر اليوم على التفكير في أمرهن ، لكنه قد يدركني الأجل غدا أو يفلت الملك مني ، فلا أستطيع أن أقوم لهن بشيء . لقد فكرت في الأمر مليّا ، فلم أجد في كل أرجاء المملكة اليوم من هو أتقى وأكثر أمانة وتدينا ، وخوفا من اللّه ، وأقصر يدا منك . إنني أرغب في أن أضع عندك مائتي ألف ألف دينار ذهبا نقدا وجواهر وديعة لا يعلمها سوى اللّه ، عزّ وجلّ ، ونحن الاثنين . فإذا ما جاءني أجلي ووصلت بهن الحال إلى حد لا يقدرن معه على كسب قوتهن اليومي ، أدعهن سرا ودون أن يحس أحد ، وقسّم المال بينهن ، ثم زوجهن سترا لهن كيلا يحتجن أحدا من الناس . إن هذا الأمر يقتضي أن تختار إحدى حجرات بيتك الداخلية ، وتنشئ فيها سردابا « 3 » محصنا من الآجر المشوي ، ثم تخبرني بعد الانتهاء من بنائه ، لآمر في ليلة ما بإحضار عشرين مجرما من السجناء المحكوم عليهم بالموت لحمل المال على كواهلهم إلى بيتك ، ووضعه في السرداب وإحكام سده وتغطيته . وبعد عودتهم آمر بقطع أعناقهم جميعا ، ليظل الأمر طي الكتمان » . قال القاضي : « سمعا وطاعة ، سأعمل ما بوسعي لتنفيذ هذا الأمر » . ثم همس في أذن أحد
هامش
( 3 ) السرداب فارسية معربة عن « سرداب » .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 116 | خواجه نظام الملك الطوسي / يوسف بكار