فقال للرجل : « اتركه عندي ، وقد جعلت لك ثلاث منوات خبز ومنّ لحم يوميا ، وعشرة دنانير شهريا من وكيلنا إلى أن أتدبر أمر ذهبك كي لا تبقى دون مئونة » .
في ظهيرة أحد الأيام وقت القيلولة ، وضع السلطان محمود الكيس أمامه وجعل يفكر : كيف استطاع ذلك ؟ وهداه تفكيره أخيرا إلى أنه ربما فتح الكيس وأخرج ذهبه ثم رفي ثانية .
وكان لمحمود غطاء مذهب جميل موضوع على أحد المفارش . وفي منتصف إحدى الليالي نهض محمود وهبط من سطح البيت وتناول سكينا قد بها الغطاء مقدار ذراع ثم عاد إلى مكانه . واستيقظ في الصباح الباكر وهبط من على السقف أيضا ، وخرج إلى الصيد لثلاثة أيام .
كان للمكان الذي فيه الغطاء فرّاش خاص يقوم على تنظيفه . فلما ذهب إليه في الصباح وجده مشقوقا بمقدار ذراع من وسطه ، فخاف وغلبه البكاء خوفا . فلما رآه فرّاش آخر ، كان في بيت الفرّاش ، يبكي هكذا ، سأله : « ما ذا حدث ؟ » . قال : « كأن لأحد عندي ثأرا ! فقد دلف شخص إلى صفّة السلطان وقد غطاءه ذراعا . إن تقع عينه عليه ، فسيقتلني لا محالة » . فقال له الفرّاش : « هل رآه أحد غيرك ؟ » : قال : « لا » . قال : « لا تقلق . حل الأمر عندي . فاسمع ما أقول : لقد خرج السلطان للصيد لمدة ثلاثة أيام ، وفي هذه المدينة رفاء كهل اسمه أحمد ، دكانه في ناحية كذا . إنه ماهر في الرفو ، وكل رفائي المدينة تلاميذ له . خذ الغطاء إليه واعطه ما يطلب من أجر ، فسيرفوه رفوا لن يستطيع حتى الصفوة المختارة من أساتذة هذا الفن معرفة مكان الشق » .
لفّ الفرّاش الغطاء في إزار حالا ، ومضى به إلى دكان أحمد الرّفاء ، وقال : « كم تريد من أجر على رفو هذا الغطاء بحيث لا يستطيع أحد أن يعرف مكان شقه ؟ » قال : « نصف دينار » . فقال الفرّاش :
« ليكن دينارا على أن لا تألو فيه من حذقك ومهارتك شيئا » . قال الرفاء : « أشكرك ، ولتهدأ بالا » .
فأعطاه دينارا ، وقال : « أريده بسرعة » . قال : « تعال غدا مع صلاة العصر وخذه » .
وفي اليوم التالي ، ذهب الفرّاش في الموعد المضروب ، فوضع الرفاء الغطاء أمامه فلم يستطع أن يعرف المكان الذي شقّ منه . فسرّ جدا ، وعاد إلى القصر وأعاده إلى مكانه الأول .
لما عاد محمود من الصيد ، وذهب إلى صفته ظهرا لينام رأى الغطاء سالما . فقال : « إليّ بالفرّاش » .
فلما حضر الفرّاش ، قال محمود : « لقد كان الغطاء مشقوقا ، فمن ذا الذي رتقه ؟ » قال : « يا مولاي ، إنه لم يشق قط . هم يكذبون » ! قال محمود : « يا أحمق لا تخف ، فأنا الذي شققته ، وكنت أهدف من وراء هذا شيئا . أصدقني القول . من ذا الذي رفاه ؟ لقد أتقنه حقا » . قال : « يا مولاي ، الرفاء فلان » قال :
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 120
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١٢٠