صلاة العشاء » . فقال المنهي للشاب : « هيا بنا إلى المدينة ، فإن عضد الدولة بعث في طلبنا نحن الاثنين ، وهذا الرّسول رسوله » . فقال : « خير ؟ » . قال المنهي : « لا شيء سوى الخير ، ربما تناهى إلى سمعه كل ما كنت تقول لي في الطريق . إنني لآمل أن تصل الآن إلى حقك فتستريح مما أنت فيه من شقاء » . فنهض ومضى بالرجل إلى عضد الدولة .
أخلى عضد الدولة المكان ، وسأل الشّاب عن أمره من جديد ، فقصّ عليه القصة - كما كانت - من أولها إلى آخرها . فتأثّر عضد الدولة لحاله ، وقال : « إن هذا الأمر منوط بنا الآن ، لا بك . فالقاضي عاملي ، ومعالجة الأمر من واجبي . فاللّه ، عزّ وجلّ ، وهبني الملك لأحفظ الحدود وأحميها ولا أدع شخصا يلحق ضيما أو ضررا بآخر ، بله القاضي الذي ولّيته أمور المسلمين ووكلت إليه دماءهم وأموالهم ، وفرضت له أجرا شهريا كيما يسيّر أمور الناس بالحق ، ويحكم بالشرع لا يميل ولا يحابي ولا يرتشي ! . أيقع هذا في عاصمة ملكي من رجل عالم ، فتأمل إذا ما يرتكبه العمال والحكام الشبان ، والمتهورون ، من خيانات في النواحي الأخرى ؟ ! لقد كان هذا القاضي في بداية أمره ، فقيرا وذا عيال ، وإن ما فرضت له من أجر شهري لم يكن أكثر مما يكفيه كفاف عيشه . لكنه يملك اليوم في بغداد ونواحيها عددا من الضياع والعقارات والحدائق والبساتين والمستغلات والقصور ، أما آلة منزله وأدوات زينته وتجمله فلا حدّ لها . فمن المؤكد أنه لم يكن في وسعه أن يمتلك كل هذا من أجره الشهري ذاك : بل أقامها بأموال المسلمين . ثم التفت نحو الرجل ، وقال : « لن أستمرئ الطعام وألتذ النوم قبل أن أرد إليك حقك . اذهب وخذ نفقاتك من خزينتنا ، ثم اترك هذه المدينة إلى أصفهان وأقم بها عند فلان . وسنكتب إليه ليكرم ووفادتك إلى أن نطلبك منه » . فأعطاه مائتي دينار ذهبا وخمسة أثواب . ثم أنفذ إلى أصفهان في تلك الليلة .
أما عضد الدولة ، فقضى ليلته كلّها يفكر في الحيلة التي يستردّ بها المال من القاضي . قال في نفسه : « إن أقبض على القاضي عنوة وأعذبه ، فلن يعترف أو يقر أو يلبس نفسه تهمة الخيانة بأية حال من الأحوال ، فيذهب المال سدى ، وتلوكني ألسنة الناس الذين لن يكون لهم من حديث سوى أن عضد الدولة يعذب رجلا كبيرا عالما قاضيا دون حق ، فتشيع هذه السمعة السيئة في الأرجاء . عليّ أن أفكر في حل يثبت خيانة القاضي ، ويعيد إلى الرجل ماله » .
ولما مضى على هذا الحديث شهر أو اثنان ولم ير القاضي لصاحب الذهب من أثر ، قال : « لقد كسبت عشرين ألف دينار ، لكن لأصبر سنة أخرى ، فقد ينهى إليّ أحد خبر موت الرجل ، لأن حاله ، التي رأيته عليها ، تنمّ على أنّه سيقضي قريبا » .
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 115
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١١٥