« إنني مولاك ومطيع أوامرك . ألا يعلم مولاي جيدا حال مولاه وولاية كرمان ؟ ! وإلا فإنني لا أرضى بالفساد أبدا . إن أهل كرمان كلهم سنّيون وأهل خير وصلاح . أما سلسلة جبال كوج وبلوج فاقتطعت عن كرمان وهي ذات جبال ومعابر حصينة ، وطرقات وعرة . . إنني عاجز عنهم ، فأغلبهم لصوص ومفسدون وقطاع طرق ، وهم يهددون أمن طريق تمتد إلى مائتي فرسخ بالنهب والسرقة .
إنهم خلق كثير ، لا حول لي عليهم ولا قوة . إن السلطان لأقدر مني ، وفي استطاعته اليوم التصدي لهم في شتى أنحاء الأرض . وإنني لأضع نفسي رهن إشارته » .
لما وصلت إلى محمود رسالة أبي علي وهداياه تبيّن له صدق كل ما يقول ، فأعاد رسوله إليه بخلعة خاصة ، وقال له : قل لأبي علي : عليك أن تجمع جيش كرمان وتطوف به في الولاية كلها . وفي شهر كذا تقدّم سرا إلى حدود كرمان في الجانب الذي فيه كوج وبلوج وانزل هناك . وحين يصل إليك رسولنا بإشارة كذا ، تحرك فورا واحمل على ولاية كوج وبلوج واقتل من تجد من فتيانهم ولا تؤمنهم أبدا ، واسلب من شيوخهم ونسائهم أموالا وأرسلها إليّ حتى أوزّعها على من يدّعون هنا أنهم سلبوهم أموالهم . ثم اعقد معهم عهدا وميثاقا محكما ، وعد بعد ذلك » .
بعد أن سيّر السلطان رسول أبي علي ، أمر مناديا ينادي : « على التجار المتوجهين إلى ( تيز ) عن طريق كرمان أن يهيّئوا أنفسهم ويعدّوا أحمالهم ، فإنني مرسل معهم حامية تحميهم . ولكم عليّ عهد أن أعوضكم عن بضائعكم من الخزانة إذا ما استولى عليها لصوص كوج وبلوج » .
فما إن شاع هذا الخبر في الناس ، حتى توارد عدد كبير من التجار على الري من الأطراف ، فسيّرهم السلطان محمود في وقت معين يرافقهم أمير على رأس حامية قوامها مائة وخمسون فارسا ، وقال لهم ، تثبيتا لعزائمهم : « لتهدءوا بالا ، فإنني مرسل في أثركم جيشا » . وعلى حين كان يسيّر الحامية استدعى إليه أميرها سرا وأعطاه زجاجة سمّ قاتل ، وقال له : « حين تصل إلى أصفهان ، توقف بها إلى أن يعد تجارها أنفسهم وينضموا إليكم . وعليك أن تشتري في هذه الأثناء عشرة أحمال « 5 » من أجود تفاح أصفهان ، وتحملها على عشرة جمال تبثها بين جمال التجار حين تتركون المدينة ، ثم تمضي بالقافلة إلى أن تصل إلى مكان سيصل إليه اللصوص في اليوم التالي لوصولكم إليه . وعليك في تلك الليلة ، أن تضع الأحمال في خيمة وتبعثر تفاحها وتثقب كل تفاحة بمسلة ، ثم تعدّ عيدانا خشبية أكبر من الإبرة
هامش
( 5 ) حمل هنا ترجمة للفظة « خروار » أي حمل حمار ، وهو عبارة عن مائة منّ ، ويستعمل الاصطلاح الفارسي نفسه لحمل البعير والحصان أيضا . ( فرهنگ نفيسي ) . لكنه يقال لحمل البعير في العربية « وسق » ( بفتح الواو وكسرها وسكون السين ) ، ولحمل البغل أو الحمار « وقر » ( بكسر الواو وسكون القاف ) . ( اللسان - وسق ووقر - ، ومفاتيح العلوم ص 11 ) .