تتحدث عن فساد الديالمة وظلمهم بالعراق ، وإظهارهم البدعة والجهر بها ، ونصبهم الكمائن على ملتقى الطرق ومعابرها . فكلما مرت امرأة أو غلام طرير وسيم ، ينقضّون عليهم ويأخذونهم عنوة ويرتكبون الفاحشة معهم . ثم إنهم يخضّبون أيدي المرد وأرجلهم بالحناء ويحتفظون بهم إلى المدة التي يشاءون ، ويطلقونهم بعد ذلك . كما أنهم يلعنون صحابة رسول اللّه ( عليه السلام ) علانية ، ويقذفون عائشة الصدّيقة رضي اللّه عنها ، - وهي أم المؤمنين - بالزنا . ثم إن المستقطعين يحصّلون الخراج من الزّراع مرتين أو ثلاثا في السنة ويفعلون ما يحلو لهم . أما الملك الذي يلقّبونه « مجد الدولة » فاقتنع بأن يخلعوا عليه لقب « ملك الملوك » ، وله من الأزواج تسع دخل بهن شرعا . وأما الرعية ، فإنهم يظهرون مذهب الزنادقة والباطنية علانية في كل مكان بالمدن والأطراف ، ويسفّهون اللّه والرسول ويشتمونهما ، وينفون الخالق على الملأ ، وينكرون الصلاة والصوم والحج والزكاة . فلا المستقطعون يزجرونهم عن أقوال الكفر هذه ، ولا هم يقولون للمستقطعين : لما ذا تسبون صحابة رسول اللّه ( عليهم السلام ) وتعيثون في الناس ظلما وفسادا ؟ إن كلا الفريقين يؤازر الآخر .
فلما أخبرت بحقيقة الحال ، آثرت هذا الأمر على غزو الهند ، واتجهت نحو العراق وسلطت جيش الترك ، الذين هم حنفيون وأنقى المسلمين ، على رقاب الديالمة والزنادقة والباطنية ، لاستئصال جذورهم . فمنهم من قتل بسيوفهم ، ومنهم من كبّل بالأغلال وزجّ به في السجن ، ومنهم من تشتّت في الآفاق . ثم أسندت كل الأعمال والمهام إلى سادة خراسان وولاتها وحكامها ، فهم من الحنفية أو الشافعية الأطهار . إن هاتين الطائفتين أعداء للرافضة والباطنية وكل الخارجين على الدين ، وعلى وئام مع الأتراك . ثم نحيت كل الكتبة العراقيين ، لعلمي أن أكثرهم من تلك الفئات الباغية ، وأنهم يفسدون على الترك أعمالهم . كل هذا لكي أصفّي العراق من أصحاب المذاهب الخبيثة والمعتقدات السيئة في مدة قليلة بعون اللّه عزّ وجلّ . فاللّه تعالى خلقنا لهذا ، وولّانا الخلق لنمحو المفسدين من على وجه المعمور ، ونحمي أهل الصلاح ، ونملأ الأرض عدلا وسخاء ورحمة .
وفي غضون هذا ، بلغنا أن جماعة من مفسدي كوج وبلوج سطوا على استراحة دير الجص ، وسرقوا منها مالا . أريدك أن تقبض عليهم ، وتسترد الأموال منهم ، ثم تشنقهم جميعا ، أو ترسلهم بما سرقوا مكبّلي الأيدي إلى الري . فأنّى لهم الجرأة على تجاوز كرمان إلى ولايتي وقطع الطرق فيها ؟ ! وإلا فليست كرمان أبعد من سومنات ، سأدفع بالجيوش إليها وأبتليها بالحرب والدمار » .
لما أوصل الرسول الرسالة خاف أبو علي الياس كثيرا ، وأكرم وفادته حالا ، وحمّله بشتى أنواع الجواهر واللآلئ البحرية النادرة ، وبدر الذهب والفضة هدايا إلى السلطان محمود ، وكتب إليه يقول :
سير الملوك أو سياست نامه — صفحة 103
مساهمون: خواجه نظام الملك الطوسي
ص١٠٣