تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير لكتاب الله المنير — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
بحد ولا يأتي عليها عدّ وعلى هذه العين اعتركت البشرية منذ هابيل وقابيل وحدث فيها ما حدث ممّا تنبو العين عن مشاهدة آثاره والأذن عن سماع اخباره . ولم نجد هذه الأمم والعناصر اعتركت يوما من ايّام اللّه على درس علمي له مساس بالروح وتربية النفس أو على نظرية تبنى الصلح والصفاء بين الناس نعم ربّما يدعى المعتركان ذلك في اوّل بروزهما إلى سوح القال ليصطادوا بذلك الأوهام والأفهام ولكنهما إذا احرزا شيئا من المقصد انشمر كلّ منهما إلى غايته التي يتوخاها . امّا علماء الروح ودعاة المثال فقد توجهوا إلى نقاط ضعف البشرية من قديم الزمن وحاولوا إخماد جذوة المادّة المشتعلة في قلوب الناس فما افلحوا الّا في أنصار قلائل وبقي الباقون بحكم الفراش يعتركون على جيفة المادة ويتهافتون موتى عليها فامّا مقتولين بسيف الجسد أو بخنجر الحقد أو بسنان الظلم أو بحربة التعدّى إلى ما شابه ذلك ، ولا شكّ ان نظرية علماء الروح التي مفادها زرع اللّااقتضائية في النفس بأن المادة إذا توفرت من طريق مشروع فلا مانع من الأقبال عليها والتنعم بنعيمها وان لم تقبل فلا يكن في النفس من لوعتها ألم وهذا هو معنى الزهد الواقعي وهو انك لا تعتدّ بالحياة المادّية اعتدادا متأصلا بل تعتبرها اعدادا لمقاصد اشرف وأنبل - كما قيل كل الزاد ليحملك لا لتحمله - وتلك المقاصد هي تطوير الجامعة إلى مجتمع هادئ يتحلّى بشرائف الأخلاق لا مجتمع صاخب يعترك على الخبز واللحم قلة وكثرة وتنوّعا ، هذا هو الزهد والزاهد ، لا ان معنى الزاهد من يمنع نفسه ممّا آتاه اللّه ويلبس الأسمال ويأكل فتات الطعام على وجود المأكل والملبس عنده كما هو مغروس في أذهان العوام ، ولأجل تثبيت معنى الزهد الواقعي في