فعلا حية تسعى على وجه الأرض بما تريده من الأساليب أو بما يريده اللّه منها والحية اسم وقع على هذه الحشرة بما يناقض واقعها وهو التسمم المميت وهذا الاسم يقع على الذكور والإناث والعظام الجثث والصغار وقد عبر عنها في القرآن بعبارات شتى منها الثعبان وهو كبير الجثة ومنها الجان وهو الدقيق المارق وقد لا تكون منافاة بينهما في حمل وصفيهما على الحية المطلقة بان تكون هذه الحية مع عظمة جثتها سريعة العدو والتسحب وليس العجب من هذا الأعجاز بقلب العصا الهامدة حية تسعى بشيء في مقابل ان الداعية القدير في همته غنى بها عن تأليف الرجال الشاق في نفسه غير المثمر على مشقته في كثير من احيانه الّا شيئا طفيفا وهذه الحية على قلة مؤنتها على موسى هي أعظم له من الجيوش الجرارة القهارة حتى لو طاوعته وذبت عنه واستماتت في سبيل احياء طريقته كما هو واضح .
وخذها بمعنى استرجعها لنفسك بعد الإلقاء من يدك وبطبيعة الحال يصادف هذا الأمر من اللّه لموسى ثقلا على عاطفته بأن يأخذ الحية بيده مكان العصا لكنه تعالى بلا فصل من قوله خدها خاطبه بقوله ولا تخف وعلل ذلك بوجهة طبيعية لا اعجازيه فقال له انما كلفناك بأخذها بعد ان نعيدها عصا كما كانت بيدك قبل النبوة عصا .
ثم ابان له بقوله واضمم يدك عن وجه اعجاز آخر وراء معجزة العصا وهو انه متى أراد إبراز هذه المعجزة سلك يده العادية له وللناس بكيوفها التي كانت عليها إلى جنبه كما يسلك الطائر جناحه إلى بدنه حتى كأنه لا جناح له ثم أخرجها ونشرها كما ينشر الطائر جناحه فإنه حينئذ كسائر الناس يرونها كمطلع الشمس إشراقا وتلألأ وبياضا من غير أن يكون هذا البياض لمرض كالبرص بل عن تشعشع نور واشراق
التفسير لكتاب الله المنير — صفحة 318
مساهمون: محمد الكرمي
ص٣١٨