لم تدرك له نظامه ولذلك استمر ، ولو كان فاقدا للنظام لما كان الكون بهذه الصبغة المشهودة أو المتحدث عنها بلسان التأريخ القاطع والآثار الجاهرة ، إذا فالطبيعة حتى لو فرضت لقيطة لا أصالة لها ولا نسب فإنها بنفسها عصامية تدل بتحركها عن معنى عريق فيها هو طول البقاء ولا بقاء لفاقد النظام حجرا كان أم شجرا حيوانا كان أم إنسانا والانهيارات التي تشاهد فيها من أعاصير ناسفة وطوافين جارفة وزلازل ماحقة وصواعق ساحقة انّما هي كفترة كسل تكون في جارحة بطل ان تعق منه عضوه ففي فاصلة لا يهتم لها لسلامة وجوده من كل لوث الّا في مختصر هذه الفترة التي لا تذكر ، ولولا النظام في الطبيعة لما رأيت اليوم ما ترى وحتى نفسك ، وهذا النظام نفسه من اصالته وعراقته نراه يسخر من أعظم عظماء البشرية أحيانا حيث يراه غير متزن مع طبيعة نفسه وغريزة فطرته بأكله أكثر ممّا يتقاضاه مزاجه مثلا وقس على ذلك كل شيء نبي عنها فان اندفاعه وراء هذا النبوّ انّما هو خرق لناموس الطبيعة وخارق ناموس الطبيعة هادم لها والهدم دائما اثر بطلان ما لم يتلاف بإعادة البناء ان أمكنت الإعادة .
والشريعة لم تأت من نفسها ولا من غيرها بشيء جديد وانّما جاءت معبّرة عن ضمير الطبيعة وناشرة لكتابها الدفين وحاذقة لفضول ما طرأ عليها من تطفل مواليدها فالتطويح بالنفس الذي هو هدم للطبيعة محرم في الشريعة وحافظ وجود الطبيعة من أكل وشرب وأكنان وغيرها واجب في الشريعة ، وتنمية الطبيعة بما يشعشعها ويظهر كنوزها من الرفاه المحبوب في الشريعة وهلمّ دواليك .
وما تناحرت الأمم فأطاحت بالقائم وابارت العامر وأزهقت النفوس وأماتت الأحياء وعبثت بكرامة الوجود والموجود الّا لانحرافها عن
التفسير لكتاب الله المنير — صفحة 100
مساهمون: محمد الكرمي
ص١٠٠