تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ . .
أي وما صرفنا عن الإتيان بما يقترحونه من الآيات إلا تكذيب المتقدّمين الأولين بأمثالها ، فإن أتينا بها وكذّب بها أهل مكة وأمثالهم ، عجّلنا لهم العذاب ، ولم يؤخّروا ، كما هي سنّة اللّه في خلقه . والآيات التي اقترحها أهل مكة - كما بيّنا في سبب النزول - مثل جعل الصّفا ذهبا ، وتنحية الجبال عنهم ، وجعل أراضيهم صالحة للزراعة . وأما الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذّبوا بها لما أرسلت ، فأهلكوا جميعا ، مثل ناقة صالح لثمود ، فلما عقروها أخذتهم الصيحة ، وبقيت آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم ، يبصرها الذاهب والعائد كما قال تعالى هنا :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها
أي وأعطينا قبيلة ثمود الناقة حجّة واضحة دالّة على وحدانية من خلقها ، وصدق رسوله الذي لبى اللّه دعاءه فيها . وقوله تعالى :
مُبْصِرَةً
أي بيّنة أو ذات إبصار يدركها الناس ، وإنما خصّت بالذّكر هنا دون غيرها ؛ لأن آثار هلاك ثمود قريبة من بلاد العرب وفي طريقهم . وقوله تعالى :
فَظَلَمُوا بِها
أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها ، فأبادهم اللّه عن آخرهم وانتقم منهم .
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
أي ولا نبعث بالآيات إلا تخويفا للناس من نزول العذاب العاجل لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون ، فإن لم يخافوا وقع عليهم . ذكر ابن كثير أن الكوفة رجفت ( زلزلت ) على عهد ابن مسعود رضي اللّه عنه ، فقال : يا أيها الناس ، إن ربّكم يستعتبكم فأعتبوه ، وروي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مرات ، فقال عمر : أحدثتم واللّه ، لئن عادت لأفعلنّ ولأفعلنّ ، وفي الحديث المتّفق عليه بين الشيخين : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه ، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ،
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج — صفحة 110 | وهبة الزحيلي