تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
ثمّ أخذ في الكلام عن المتعارضين وعن أنواعه وطريقة العلاج ، على ما بيّن في الأصول « 1 » . وهكذا فصّل الكلام في ذلك في كتابه الذي وضعه لتمهيد أصول الفقه « 2 » . وهذا المنهج الذي انتهجه الشيخ هو المنهج القويم لتقييم الروايات ووزنها على المقياس العقلاني الرشيد . فقد جعل المعيار لوزن اعتبار الأخبار هي مراتب قوّتها في إيجاب العلم بمؤدّاها ، فما كانت متواترة كان سبيلها وجوب العمل بها من غير انتظار شيء ينضاف إليها . وأمّا غير المتواتر من الأخبار فما كان منه مقترنا بقرائن توجب العلم بصّحة مؤدّاه ، فهذا كالمتواتر ، كان سبيله العمل بموجبه ، لأنّ ما يوجب العلم يستلزمه وجوب العمل بلا ريب . وهذا أدقّ نكتة تنبّه لها شيخنا الأقدم ، في أنّ أخبار الآحاد المحتفّة بقرائن صادقة ، هي كالمتواترات الموجبة للعلم ! فليس هناك تعبّد بظنّ وإنّما هو عمل بعلم . وهذا هو الذي مشى عليه سيّدنا الأستاذ الإمام الخوئي - طاب ثراه - بشأن حجّية أخبار الآحاد ( الجامعة لشرائط الحجّية ) في مختلف أبواب الشريعة ، وليس خاصّا بأبواب التكاليف . حيث اعتبر من مؤدّى خبر الثقة الأمين علما وليس تعبّدا بظنّ « 3 » . والمهمّ في كلام الشيخ ، تعداده للقرائن الحافّة الموجبة للعلم ، وقد جعل أوّلها وأولاها هي : مطابقة دلائل العقل الحكيمة . وثانيها : موافقة دلائل الكتاب ، بأنحاء الدلائل الجليّة منها والخفيّة ( ظاهر الكتاب وباطنه ) والتي يعلم تفسيرها وتأويلها الراسخون في العلم . وثالثها : موافقة السنّة المقطوع بها ، إمّا صريحا أو دليلا أو فحوى أو عموما . ورابعها : المرافقة مع إجماع المسلمين أو إجماع علماء الطائفة ، وإجماعهم حجّة بلا ريب . والعمدة : أنّه رحمه اللّه جعل من مؤدّى تلكم الأخبار المحتفّة بإحدى هذه القرائن ، علما يوجب العمل به . وأنّ خبرا هذا شأنه خارج عن حيّز أخبار الآحاد وداخل في باب المعلوم الذي يلزم الأخذ به . وممّا يلفت النظر في كلامه قدّس سرّه أنّه جعل خبر الواحد - المنقول في كتب الأصحاب - إذا لم يعارضه خبر آخر ، داخلا في باب الإجماع على نقله ، ويلزم العمل به ما لم تعارضه الفتاوى ! وهذا هو القول الفصل بشأن اعتبار أخبار الآحاد ، في جميع مجالات الدين ، أصولا وفروعا ،
هامش
( 1 ) الاستبصار 1 : 3 - 4 . ( 2 ) راجع : عدّة الأصول 1 : 336 و 367 - 372 . ( 3 ) نقلنا كلامه في الفصل السابق .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 230 | الشيخ محمد هادي معرفة