تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثري الجامع — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
ويعني بالمشابهة : المسانخة والتلاؤم والوفاق ، الأمر الذي لا يخصّ الوفاق الحرفي ، وإنّما هي الموافقة في صميم الكلام وفحواه العام ، كما عرفت . فالمراد بالموافقة هي الموافقة الذاتيّة بين مضمون الحديث والأصول الإسلاميّة المستفادة من الكتاب والسنّة . ومن ثمّ كانت روايات الجبر والتفويض مرفوضة عندنا ، لمكان مخالفتها مع قاعدة « الأمر بين الأمرين » المستفادة من صميم الكتاب والسنّة . الأمر الذي يعبّر عنه في علم « معرفة الحديث » بالنقد الداخلي للخبر ، أي مقارنة مضمونه مع الأصول العامّة والمباني الأولى للشريعة ، انسجاما مع روحها النابضة في جميع أشلائها . وهذه هي الطريقة الحكيمة التي سلكها عميد الطائفة الشيخ أبو عبد اللّه المفيد - قدّس سرّه - في معالجة روايات الجبر والتفويض . قال : وكتاب اللّه تعالى مقدّم على الأخبار والروايات ، وإليه يتقاضى في صحيح الأخبار وسقيمها ، فما قضى به فهو الحقّ دون ما سواه « 1 » . قال ذلك ردّا على أبي جعفر الصدوق فيما زعم أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه . وفسّر الخلق بالتقدير ، استنادا إلى رواية لم يتحقّقها . وكانت مخالفة للكتاب بشأن استطاعة العباد . جاء في رسالة الاعتقادات : « اعتقادنا في أفعال العباد أنّها مخلوقة ، خلق تقدير لا خلق تكوين . ومعنى ذلك أنّه لم يزل اللّه عالما بمقاديرها » « 2 » . قال أبو عبد اللّه المفيد : الصحيح عن آل محمّد - صلوات اللّه عليهم - أنّ أفعال العباد غير مخلوقة للّه تعالى . والذي ذكره أبو جعفر رحمه اللّه قد جاء به حديث غير معمول به ولا مرضيّ الإسناد « 3 » ، والأخبار الصحيحة بخلافه . وذكر من تلك الأخبار : [ م / 330 ] ما روى عن أبي الحسن الثالث عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا عليهم السّلام أنّه « سئل
هامش
( 1 ) رسالة تصحيح الاعتقاد : 44 ( مصنّفات المفيد 5 ) . ( 2 ) رسالة الاعتقادات : 29 / 4 ( مصنّفات المفيد 5 ) ؛ البحار 5 : 19 . ( 3 ) والحديث هو ما رواه الصدوق ( سنة 352 ) عن شيخه عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطّار النيسابوري - مجهول - عن عليّ ابن محمّد بن قتيبة النيسابوري - لم يوثّق - عن الفضل بن شاذان ، فيما سأل المأمون الإمام الرضا عليه السّلام أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز . فجاء فيما كتب : « وأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ، خلق تقدير لا خلق تكوين ، واللّه خالق كلّ شيء . ولا نقول بالجبر والتفويض » . ( عيون أخبار الرضا 2 : 132 / 1 ، باب 35 ) . وروى أيضا بنفس الإسناد : عن ابن عبدوس عن ابن قتيبة عن حمدان بن سليمان النيسابوري عن عبد السّلام بن صالح أبي الصلت الهروي قال : سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام يقول : أفعال العباد مخلوقة . فقلت له : يا ابن رسول اللّه ، وما معنى « مخلوقة » ؟ قال : مقدّرة . ( معاني الأخبار : 395 - 396 / 52 ، باب نوادر المعاني ) .
التفسير الأثري الجامع — صفحة 227 | الشيخ محمد هادي معرفة