قوله تعالى :
*
« أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ؟ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ »
هذا هو مجمل ما يجيب به بعضهم بعضا ، على هذه التساؤلات التي يتساءلونها في أمر هذا الخبر العجيب الذي يحدثهم به النبىّ عن البعث . . إنهم ينتهون إلى أن يضعوا النبىّ بين أمرين ، لا ثالث لهما : إما أن يكون رجلا افترى على اللّه الكذب فيما يحدثهم به ، ويقول عنه إنه من عند اللّه . . فهذا الحديث - عندهم - لا يكون من اللّه ، لأن اللّه لا يعقل منه أن يقول مثل هذا القول غير المعقول . . وإما أن يكون هذا الرجل مجنونا ، يلقى الكلام كما يصوّره له جنونه . . وإذن فعلى كلا الأمرين ، لا يسمع له ، ولا يلتفت إليه . .
وفي قولهم على « رجل » إمعان منهم في الاستصغار لشأن النبي ، وأنه أقلّ من أن يذكر باسمه أو صفته . . ولهذا ردّ اللّه سبحانه عليهم بقوله :
« بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ »
. . فأضرب اللّه على كلامهم وأبطله ، ثم ألقى بهم في العذاب ، وألبسهم لباس العمى والضلال . .
وقدّم العذاب على الضلال ، مع أن العذاب الذي سينالهم هو من ثمرة ضلالهم - قدم هذا ، استعجالا لما يسوءهم ، واستحضارا للبلاء الذي ظنوا أنهم في مأمن منه . .
قوله تعالى :
« أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ . . إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ »