تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 784

مساهمون:

ص٧٨٤
من نعمه ، فإن هذه النعم لا يقام بحقها ، ولا يؤدّى بعض ما للّه على عباده منها ، إلا إذا كانت النعم ابتلاء من اللّه . . كالنقم سواء بسواء ، فمن لم يصبر على مراقبة اللّه فيما حوله من نعم ، ضل وانحرف ، وفي قارون مثل بيّن في هذا . . ولهذا جاء قول سليمان ، فيما حكاه اللّه عنه ، بعد أن طلب عرش ملكة سبأ فوجده بين يديه ، جاء قوله .
« هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ »
كاشفا عن تلك الحقيقة من أمر النعم ، وأنها قد تدعو من لا يحرص على مراقبة اللّه فيها . إلى الكفر والضلال . . وقد كان داود عليه السلام في حراسة دائمة لنفسه . وفي مراجعة لكل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال ، وأنه كلما وجد من نفسه ما لا يرضاه في صلته بربه ، بادر بإصلاح ما كان منه ، وصالح ربّه بالتوبة والاستغفار . . وفي هذا يقول سبحانه وتعالى عنه :
« وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ »
. - وقوله تعالى :
« وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا »
بيان لما أنعم اللّه به على عبده داود من فواضل إحسانه وكرمه . . وفي تقديم متعلق الفعل وهو الجار والمجرور « منّا » على المفعول به « فضلا » تعظيم للمنعم . وإشارة إلى علو المقام الذي جاء منه الإحسان ، فيقطع العقل بأنه إحسان عظيم قبل أن يكشف عن الإحسان . - وقوله تعالى :
« يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ »
. . هو مقول لقول محذوف . . والتقدير فشكر لنا هذا الفضل ، وسبح بحمدنا على هذا الإحسان ، فقبلنا منه شكره وحمده ، وقلنا
« يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ »
أي سبحي ، وأعينيه على حمدنا وشكرنا ، إذ كانت نعمنا عليه كثيرة ، لا يستطيع أحد شكرها ، مهما اجتهد في الشكر ، وبالغ في الحمد . . فمن فضل اللّه على عباده أن يحسن إليهم ، ومن تمام هذا الإحسان أن يعينهم على شكره ، ومن مضاعفة العون أن يسخر غيرهم ليكونوا ألسنة من ألسنة الشكر للّه معهم على ما أنعم اللّه عليهم .