تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 686

مساهمون:

ص٦٨٦
ورأى بعض آخر ، أن يصلّى العصر ، حين وجب وقتها ، وقبل أن يخرج هذا الوقت ، ودلّهم على هذا الرأي أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم لم يرد بهذا الأمر إلا المبادرة والإسراع إلى حيث أمرهم ، وأن الصلاة لا تفوّت عليهم هذه المبادرة . . وقد علم النبىّ بما كان من المسلمين ، فلم ينكر على أىّ من الفريقين رأيه . . إذ كان كل منهم إنما يتحرى الخير ، ويطلب رضا اللّه ورسوله . . إن أحدا منهم لم يمل مع هوى ، ولم ينظر إلى ذات نفسه في هذا الأمر . . وإذ كان ذلك كذلك لم يكن المقصد إلا طلب الخير ، وتحرّى الوجه الذي يلوح منه . . وفي طلب الخير ، وتحرّى وجهه ، يتساوى الذين يبلغونه ، والذين لا يصلون إليه . . فليست العبرة بالأمر في ذاته ، وإنما العبرة بالنيّة القائمة عليه ، والرسول صلوات اللّه وسلامه عليه يقول : « إنما الأعمال بالنيات . . وإنما لكل امرئ ما نوى » . . ولهذا لم يكشف النبىّ - صلوات اللّه وسلامه عليه - عن وجه الصواب في هذا الأمر الذي اختلف فيه أصحابه . . إذ لا شك أن فريقا أصاب ، وفريقا أخطأ . . فالأمر إما صواب وإما خطأ ، ولا يحتمل الوجهين معا . . ولكنّ المعتبر هنا ليس الأمر في ذاته ، إذ هو شئ عارض ، وإنما المعتبر هو النيّة التي تقوم وراء هذا الأمر . . لأن النيّة شئ ذاتي ، والذاتي مقدم على العرضي . وقد حاصر النبي والمسلمون اليهود في حصونهم مدة ، حتى إذا اشتدّ عليهم الحصار ، نزلوا على حكم النبىّ . . فأمر يقتل كل من بلغ الحلم من الذكور ، وسبى الأطفال ، والنساء ، بعد أن استولى على ما كان مع القوم من سلاح . . وهكذا ذهب هذا الداء الذي كان يعيش في كيان المدينة ، ويموج بالفتن فيها . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 686 | عبد الكريم الخطيب