وما متعلّق القصة به ؟ وما هذه الصخرة التي جاوزها موسى وفتاه ثم عادا إليها ؟ .
وأخيرا : ما ذا لو خلت القصة من كل هذا ، ووقع اللقاء بين موسى والعبد الصالح من غير هذه المقدّمات ؟ أفي ذلك ما يذهب بشيء من مواقع العبرة والعظة التي جاءت القصة من أجلهما ؟
والجواب على هذا :
أولا : أن القصة - كما قلنا ، وكما سنرى - تجرى أحداثها في اتجاه على غير الاتجاه المألوف للناس ، حسب تقديرهم وتفكيرهم . . وإذ كان موسى سيدخل في هذه التجربة ، وسيجرى مع هذا الأحداث على صورة يرى فيها أنه يسير في وضع مقلوب ، حيث أنه يمشى القهقرى ، على حين أنه يريد أن يتجه إلى الأمام لغاية يقصدها - إذ كان ذلك كذلك ، فقد كان من الطبيعي أن يعاني شيئا من هذه التجربة بنفسه ، ومع إنسان يفكر على مستوى تفكيره ، ويجرى في الحياة على ما اعتاد الناس منها ، وهو فتاه الذي كان رفيق رحلته . .
فموسى مع فتاه . . يسيران سيرا مجهدا إلى غاية يقصدانها ، وهي الصخرة ، التي سيلتقى عندها موسى مع العبد الصالح . . ومع هذا يمرّان بتلك الصخرة ، ويأويان إليها ، ثم يجاوزانها ، حتى يجهدهما السفر . . ثم ينكشف لهما فيما بعد ، أن هذه الصخرة ، هي الصخرة المطلوبة ، فيعودان إليها مرة أخرى . . ولو كان لموسى شئ من هذا العلم الذي سيكشفه له العبد الصالح لما دار هذه الدورة الطويلة ؛ ولما بذل كل هذا الجهد الضائع ! إن موسى هنا يبحث عن حقيقة مادّية وهي « الصخرة » ومع أن الصخرة كانت تحت قدميه ، فإنه لم يرها ، ولم يتعرف عليها . . ولو رفع عنه حجاب الغيب للزم مكانه ، ولما سعى هذا السّعى المجهد .
وفي هذا درس بليغ للإيمان بالقدر المتحكّم في مصائر الناس . . وأنه
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 643
مساهمون: عبد الكريم الخطيب
ص٦٤٣