وفي هذا ما يكشف عن مدى ما ركب سفهاء قريش وحمقاها ، من جهل فاضح ، وكبر صبياني غشوم ! إذ كانوا يرون أنهم لا يحتاجون إلى علم ، حتى ولو كان هذا العلم يطرق أبوابهم ، ويدخل عليهم بيوتهم ! .
- وقول موسى لفتاه :
« لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ »
. . يريد به أنه على نية صادقة ، وعزم وثيق ، من أمره هذا الذي هو متجه إليه ، وأنه لا ينقطع عن السير إليه حتى يبلغه . . فمعنى لا أبرح أي لا أزال ، وهو فعل من أفعال الاستمرار ، وخبره محذوف ، تقديره لا أبرح سائرا . . ومجمع البحرين ملتقاهما . .
وقد اختلف في البحرين . . ما هما ؟ وأين ملتقاهما ، أو مجمعهما ؟
والذي أميل إليه ، أنهما خليج السويس ، وخليج العقبة ، وأن ملتقاهما هو رأس شبه جزيرة سيناء عند طرفها الجنوبي ، حيث يتفرع عندها البحر الأحمر إلى فرعين يذهبان شمالا ويحصران بينهما شبه جزيرة سيناء . . فحيث كان افتراقهما يكون اجتماعهما . . أي هو مجمعهما ، وهو مجمع البحرين . .
ويقوّى هذا الرأي عندنا ، أنّ تحرّك موسى بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر لم يجاوز شبه جزيرة سيناء ، حيث ضرب فيها التيه على بني إسرائيل أربعين سنة .
ومن جهة أخرى ، فإن رأس شبه الجزيرة الجنوبىّ صخرى ، تكثر فيه الصخور ، والآكام ، وتتشابه فيه معالم تلك الصخور ، الأمر الذي اختلط به على موسى وجه الصخرة التي كانت موعدا له مع هذا العبد الصالح ، الذي جدّ في طلبه . .
أما ما يذهب إليه بعض المفسرين من أنه « طنجة » حيث يلتقى البحر الأبيض بالبحر المحيط ، فهو بعيد إلى حد الاستحالة !